” الصومال ولعنة الجيوبوليتيك ” دراسة تحليلية لتأثير تقاطع المصالح الإقليمية على الأمن القومي الصومالي

المستخلص

تبحث هذه الدراسة في التحوّل الجيوسياسي لموقع الصومال من نعمة استراتيجية إلى لعنة جيوبوليتيكية، نتيجة هشاشة الداخل وتعقيدات المحيط الإقليمي والدولي. تنبع أهمية البحث من كون الصومال يحتل موقعًا بالغ الحساسية على طرق التجارة البحرية الدولية قرب باب المندب والقرن الإفريقي، وهو ما يجعله محورًا لصراع نفوذ إقليمي ودولي تتداخل فيه مصالح إثيوبيا، كينيا، مصر، تركيا، الإمارات، قطر، إضافة إلى الولايات المتحدة، الصين، روسيا والاتحاد الأوروبي. اعتمدت الدراسة المنهج الجيوبوليتيكي مدعومًا بالمنهج الوصفي التحليلي والتاريخي والاستشرافي لتحليل تقاطع المصالح الإقليمية وأثرها على الأمن القومي الصومالي. وخلصت النتائج إلى أن غياب العمق الاستراتيجي والوعي الجيوبوليتيكي لدى النخب السياسية، وضعف مؤسسات الدولة، أسهم في تحويل الجغرافيا من مصدر قوة إلى عامل هشاشة. وتقترح الدراسة سيناريوهات مستقبلية ورؤية استراتيجية تمكّن صانعي القرار من إعادة توظيف الموقع الجغرافي للصومال كرافعة للأمن القومي والاستقرار الداخلي، بدلًا من كونه لعنة جيوبوليتيكية.

الكلمات المفتاحية: الجيوبوليتيك، الأمن القومي، القرن الإفريقي، باب المندب، تقاطع المصالح الإقليمية، العمق الاستراتيجي، المنطقة الرمادية، البيئة الرخوة.

Abstract

This study investigates Somalia’s geopolitical transformation from a strategic blessing into a geopolitical curse, driven by internal fragility and complex regional and international dynamics. The research is significant as Somalia occupies a highly sensitive location along global maritime trade routes near the Bab al-Mandab Strait and the Horn of Africa, making it a focal point of competition among regional powers such as Ethiopia, Kenya, Egypt, Turkey, the United Arab Emirates, and Qatar, as well as global actors including the United States, China, Russia, and the European Union. The study employs a geopolitical approach combined with descriptive-analytical, historical, and foresight methodologies to assess how intersecting interests impact Somalia’s national security. Findings reveal that the absence of strategic depth and geopolitical awareness among Somali elites, coupled with weak state institutions, has turned geography into a liability rather than a strength. The study proposes future scenarios and a strategic vision aimed at enabling Somali policymakers to transform the country’s location into a geostrategic asset that enhances national security and internal stability instead of remaining a geopolitical curse.

المقدمة

لم تكن الجغرافيا يومًا عنصرًا صامتًا في المعادلة الجيوبوليتيكية للدولة، بل كانت ولا تزال فاعلًا رئيسيًا في إنتاج وضع استراتيجي معين وتوازن قوي ورسم حدود القوة والنفوذ والتاريخ. والصومال، ذلك البلد الواقع على أحد أكثر المواقع حساسية في العالم، يقدّم نموذجًا صارخًا للمعادلة الجيوبوليتيكية، حيث تتحوّل النعمة الاستراتيجية إلى لعنة جيوبوليتيكية.

يقع الصومال على مفترق طرق بحرية دولية تربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، ويتحكم فعليًا في بوابة باب المندب، من خلال موقعه بمنطقة القرن الإفريقي التي تُعد بؤرة تجاذب دولي وإقليمي حاد، كما يتاخم القرن العربي (اليمن والخليج العربي) الذي يُعد عُمقاً استراتيجياً للأمن العربي ويُؤثر ويتأثر بالأمن القومي الصومالي. هذا الموقع الجيوالاستراتيجي، الذي كان من المُفترض أن يجعل الصومال قوة إقليمية تتحكم في محيطها الإفريقي وتؤثر في عمقها الاستراتيجي العربي، تحوّل بفعل عوامل داخلية وخارجية إلى مصدر استنزاف وتدخل وإضعاف للدولة.

فمنذ انهيار الدولة الصومالية مطلع التسعينيات، تحوّل هذا الموقع الحيوي إلى ساحة مفتوحة لتدخلات أجنبية، وصراعات مصالح دولية وإقليمية، وانتشار الحركات المسلحة والجماعات الإرهابية والقرصنة البحرية. وأصبحت جغرافيا الصومال أداة في يد الآخرين أكثر مما هي ورقة مساومة بيد صناع القرار الصوماليين. لماذا تحوّلت هذه النعمة إلى لعنة؟ وهل كان ذلك قدرًا محتومًا، أم نتيجة قرارات استراتيجية خاطئة؟

تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك طبيعة التدخلات الإقليمية من قِبل قوى إقليمية فاعلة مثل إثيوبيا، كينيا، مصر، تركيا، وبعض دول الخليج العربي مثل الإمارات وقطر، مع التركيز على آليات النفوذ التي تستخدمها هذه الدول، سواء عبر دعم الأقاليم الفيدرالية ( ولايتي بونتلاند وجوبالاند نموذجاً) أو عقد اتفاقات ثنائية خارج الإطار الوطني (مذكرة التفاهم بين صومالي لاند وإثيوبيا) أو التورط غير المباشر في الصراعات المحلية (التناحر القبلي)، كما تُبرز الدراسة كيف أسهم تقاطع المصالح الاستراتيجية لهذه الدول في تعقيد مشهد الأمن القومي الصومالي، عبر إضعاف قدرة الحكومة الفيدرالية على بناء مؤسسات أمنية موحدة، وتغذية الانقسامات الداخلية، وخلق بيئة رخوة ومنطقة رمادية.

كما تسعى إلى تقديم رؤية تحليلية للبيئة الاستراتيجية الصومالية وتأثيراتها السالبة في السيادة الوطنية، وتُسلط الضوء على التحديات التي تواجه الدولة في بناء استراتيجية مستقلة للأمن القومي في بيئة إقليمية غير مستقرة.

 وتختتم الدراسة “بسيناريوهات مستقبلية” كأداة مهمة لفهم المسارات المحتملة التي قد يتخذها الوضع الجيوبوليتيكي للصومال، وذلك من أجل توجيه السياسات الوطنية نحو خيارات أكثر استقرارًا واستقلالًا. كما تبرز الحاجة الملحّة إلى تبنّي حزمة من التوصيات والسياسات الاستراتيجية التي تُعزز مناعة الدولة وتحوّل الجغرافيا من اللعنة الجيوبوليتيكية إلى نعمة جيواستراتيجية. 

مشكلة الدراسة

 تُشكل الجغرافيا، في عصرنا الحاضر، أكثر من مجرد خلفية مكانية للأحداث السياسية؛ بل إنها عنصر فاعل في تشكيل موازين القوة والنفوذ. وإذا كانت بعض الدول تنعم بموقع جغرافي وفرَّ لها فرصًا اقتصادية وجيوسياسية مثل – سنغافورة فإن دولًا أخرى مثل–الصومال– تجد نفسها واقعة في فخ الجغرافيا، حيث تتحوّل النعمة المفترضة إلى لعنة فعلية، بفعل غياب الرؤية الوطنية والإدارة الرشيدة وتفاقم الهشاشةالداخلية وازدياد التدخلات الخارجية.

كما يُعاني الصومال من نقص في العمق الاستراتيجي الأمني والسياسي نتيجة الهشاشة السياسية والصراعات الداخلية، رغم أن موقعه الجغرافي يمنحه إمكانات استراتيجية كبيرة لو تم استثمارها ضمن سياسة وطنية متماسكة تستند الي رؤية وطنية تُعبّر عن الغايات والمصلحة الوطنية.

 ويمكن اعتبار أن أحد أهم الإشكالات الرئيسية في بناء مؤسسات قوية هو افتقار الدولة الصومالية لعمقاستراتيجي فعّال(قدرة الدولة على المناورة عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا في حال تعرضها لتهديد خارجي أو أزمة داخلية)، ورغم أن الصومال يتمتع بموقعٍ جغرافيٍ بالغ الأهمية عند تقاطع طرق التجارة البحرية الدولية على المحيط الهندي وباب المندب،  فإن هذا الموقع الاستراتيجي لم يتحولْ إلى عمقٍ استراتيجي فعّال يُمَّكن الدولة من تأمين نفسها، أو تعزيز نفوذها، أو لعب دور إقليمي فاعل. فالعمق الاستراتيجي لا يقتصر على الجغرافيا، بل يتطلب تماسكًا سياسيًا، واستقرارًا أمنيًا، وبنية تحتية قادرة على الامتصاص والمناورة، وهي عناصر تفتقر إليها الصومال في الوقت الراهن.

إن غياب العمق الاستراتيجي عن الدولة الصومالية، سواء في بعدها الداخلي (نتيجة الانقسامات القبلية وتعدد مراكز السلطة بفعل النظام الفيدرالي الهش وغير المحدد نوعيته)، أو في بعدها الخارجي (نتيجة غياب التحالفات الإقليمية المستقرة والصراع الاستراتيجي الإقليمي والدولي حوله)، جعل من موقعه الجيوسياسي الحساس نقمة أكثر من نعمة، حيث باتت ساحة مفتوحة للتدخلات الإقليمية والدولية، وصراع النفوذ بين القوى الكبرى.

أهمية الدراسة

تكتسب هذه الدراسة أهمية بالغة في ظل الأوضاع المُعقدة التي يشهدها الصومال من حيث الأمن القومي والاستقرار السياسي، وذلك نتيجة لتداخل وتأثير عوامل جغرافية وسياسية إقليمية ودولية على أراضيه. ويَكْمن جوهر أهمية هذه الدراسة في النقاط التالية:

  1. فهم تعقيدات الواقع الجيوبوليتيكي للصومال

الصومال يقع في موقع استراتيجي حيوي على مفترق طرق مهم للمصالح الإقليمية والدولية، مما يجعله عرضة لتداخل وتأثير صراعات إقليمية متعددة. وتسهم هذه الدراسة في توضيح طبيعة هذه التعقيدات وكيف تؤثر في الأمن القومي الصومالي.

2.تحليل تقاطع المصالح الإقليمية

تستعرض الدراسة كيف أن تداخل المصالح الإقليمية وتقاطعها سواء من دول الجوار الجغرافي، اثيوبيا وكينيا أو القوى الإقليمية المؤثرة مثل: مصر، تركيا، الإمارات وقطر، أو الدولية، الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي وروسيا، يسهم في تفاقم الأزمات الأمنية والسياسية في الصومال، وتهديد استقراره وسلامة أراضيه.

3.دعم اتخاذ القرار وصياغة السياسات

  غياب الوعي الجيوبوليتيكي لدى النخب السياسية الحاكمة والقيادات العسكرية والأمنية يقود إلى جهل واضح بكيفية استثمار جغرافية الدولة بما يخدم الأهداف العليا للدولة، لأن الجيوبوليتكس لا تعرف العاطفة ولا تعترف بالقيم، وإنما تقوم على المصالح ومنطق البسط والسيطرة. من خلال تحليل دقيق للأبعاد الجيوبوليتيكية وتأثيراتها في الأمن القومي، تُقدم هذه الدراسة رُؤى واستنتاجات يمكن أن تساعد صانعي القرار في الحكومة الصومالية والمؤسسات الأمنية في تبني استراتيجيات وطنية فعَّالة للتعامل مع التحديات الأمنية المتعددة.

  • تسليط الضوء على دور الصومال في الأمن الإقليمي والدولي

    تعكس الدراسة مدى أهمية الصومال بصفته عاملاً محورياً في الأمن الإقليمي لمنطقة القرن الافريقي والعمق الاستراتيجي الأمني العربي، ودوره في محاربة الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات والملاحة الدولية، مما يجعل فهم تأثير المعادلات الجيوبوليتيكية في أمنه مسألة ذات أبعاد استراتيجية واسعة.

  تُمثل الدراسة إضافة مهمة للمكتبة البحثية في مجال الجيوبوليتيك والأمن القومي، لا سيما فيما يتعلق بالدول الإفريقية والعربية الواقعة في مناطق حساسة من الناحية الاستراتيجية والجيوبوليتيكية، وهو مجال يحتاج إلى مزيد من الدراسات المُعمّقة.

أهداف الدراسة

  1. تحليل التحولات الجيوبوليتيكية في الصومال وتأثيرها في الأمن القومي والسيادة الوطنية.
  2. دراسة أنماط تقاطع المصالح الإقليمية وآليات النفوذ التي تستخدمها القوى الفاعلة في المشهد الصومالي.
  3. توضيح أثر تقاطع المصالح الإقليمية والدولية على إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الانقسامات الداخلية.
  4. إبراز دور غياب العمق الاستراتيجي والوعي الجيوبوليتيكي في تفاقم هشاشة الدولة الصومالية.
  5. اقتراح رؤية استراتيجية وسيناريوهات مستقبلية تساعد صانعي القرار في الصومال على تحويل الموقع الجغرافي من لعنة إلى فرصة تعزز الأمن والاستقرار.

فرضيات الدراسة

  نظرًا لتعقيد المشهد الجيوبوليتيكي للصومال وتقاطع المصالح الإقليمية المؤثرة فيه، فإن تحليل تأثير هذه التفاعلات على الأمن القومي الصومالي يتطلب الانطلاق من مجموعة من الفرضيات التي تُوجِه مسار الدراسة وتساعد على تَخْمين مدى صحة التصورات النظرية المطروحة.

  1. الفرضية الأولى:

  تقاطع المصالح الإقليمية والدولية في الصومال يؤدي إلى تفاقم النزاعات الداخلية ويضعف من قدرة الدولة على تحقيق الأمن القومي المُستدام والاستقرار السياسي والنهوض الاقتصادي وتعزيز التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية.

  • الفرضية الثانية:
       التدخلات الإقليمية ذات الدوافع الجيوبوليتيكية تَسْهم بشكل مباشر في إضعاف مؤسسات الدولة وتعزيز الفوضى الأمنية في الصومال.
  • الفرضية الثالثة:
      غياب الوعي الجيوبوليتيكي لدي النُخَبْ السياسية وغياب استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة التأثيرات الجيوبوليتيكية يُقلل من قدرة الصومال على حماية أمنه القومي والتعامل بفعالية مع التحديات الإقليمية والدولية.

تساؤلات الدراسة

  1. كيف تحوّل الموقع الجيوسياسي للصومال من نعمة استراتيجية إلى لعنة جيوبوليتيكية؟
  2. ما طبيعة التدخلات الإقليمية والدولية في الصومال، وكيف أسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وإطالة أمد الصراع؟
  3. إلى أي مدى أثر تقاطع المصالح بين إثيوبيا، كينيا، مصر، تركيا، الإمارات، وقطر، فضلًا عن القوى الدولية الكبرى، في البيئة الاستراتيجية الصومالية؟
  4. ما انعكاسات غياب العمق الاستراتيجي والوعي الجيوبوليتيكي لدى النخب السياسية على الأمن القومي الصومالي؟
  5. كيف يمكن تحويل الموقع الجغرافي للصومال من نقمة جيوبوليتيكية إلى لعنة جيواستراتيجية؟

منهجية الدراسة

 تحاول هذه الدراسة أن تدمج بين التحليل النظري والقراءة الواقعية، مستخدمةً المنهج الجيوبوليتيكي، لتحليل أثر الموقع الجغرافي للصومال في موازين القوى والمنهج الوصفي التحليلي لصف وتحليل الواقع وتفاعلاته مع القوى الإقليمية المُؤثرة، مع التركيز على تقاطع المصالح الإقليمية وتأثيراتها في الأمن القومي للبلاد. والمنهج التاريخيلتتبع تطور الصراع الجيوبوليتيكي حول الصومال منذ فترة الاستعمار حتى اليوم، كما يُستخدم لتفسير السياقات التاريخية التي رسّخت هشاشة الدولة الصومالية. والمنهج الاستشرافي(المستقبلي) لبناء سيناريوهات مستقبلية حول فرص تحويل الموقع من لعنة إلى نعمة، ويُستخدم في اقتراح حلول وسياسات استراتيجية لصناع القرار.

أدوات جمع البيانات في الدراسة

المصادر الثانوية: الكتب والدوريات، والأوراق العلمية، والبحوث الأكاديمية، والتقارير.

المصادر الأولية: المقابلات والملاحظات واللقاءات المتنوعة مع النخب السياسية والأكاديميين.

أولا: الإطار النظري والمدخل المفاهيمي.

  1. الجيوبوليتيك.

الجيوبوليتيك Geopolitic / Géopolitique مصطلح يتكوّن في الأصل من كلمتين يونانيتين: Geo، وهي الأرض، ثمّ Politique ومعناها سياسة، فهي علم يقوم على علاقة جدلية بين الأرض والسياسة، ويندمج فيه علم الجغرافيا بعلم السياسة، فيدرس التأثيرات المختلفة للإقليم، بجميع عناصره (بحار، خلجان مضايق جبال سهول غابات…) وموقعه وشكله (جزري – من جزيرة، قارّي) ومناخه، في أداء صنّاع القرار السياسي داخل الدولة نفسها، وعلى أداء السياسة الخارجية للدول بشكل عام. كما يدرس تأثير السياسة على الأرض، في محاولاتها للاستفادة من ميزاتها من أجل التغيير المستقبلي لأبعاد الدولة الجغرافية، بفعل يُمارس علاقة قوة في إطار جغرافي معين. ([1])

  • لعنة الجيوبوليتيك (The Geopolitical Curse) مصطلح يشير إلى التحديات المستمرة التي تواجهها بعض الدول بسبب موقعها الجغرافي أو مواردها الطبيعية. تتمثل هذه اللعنة في أن الموقع أو الموارد التي يمكن أن تكون مصدر قوة للدولة تتحول في حالات معينة إلى مصدر ضعف وجذب للتدخلات والصراعات.
  • المعادلات الجيوبوليتيكية (Geopolitical Equations)”مصطلح يُستخدم لوصف العلاقات أو التوازنات المعقدة بين القوى الدولية أو الإقليمية، والتي تتأثر بعوامل الجغرافيا السياسية والاقتصاد، والأمن، والتحالفات، وغيرها. لا تشير المعادلات هنا إلى معادلات رياضية، بل إلى “تركيبة” أو “توازن دقيق” يحدد مسار السياسات الدولية ([2]).
  • الموقع الاستراتيجي(Strategic Location )

الموقع الاستراتيجي هو “مصطلح جغرافي يستخدم للتعريف والتعبير عن الموقع أو المكان الذي يحتل أهمية ومكانة سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية، أو جميعها معاً على المستوى المحلي، أو الإقليمي، أو العالمي.

  •  الأمن القومي (National Security)

يُعرّف الأمن القومي بأنه «تأمين كيان الدولة من المتغيرات التي تهددها من الداخل والخارج، وتأمين مصالحها الحيوية، وتهيئة الأوضاع الملائمة لتحقيق أهدافها وغاياتها التي يحددها الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي والتنمية الشاملة.  كما يُعرّف الأمن القومي بأنه «الإدراك الكامل للدولة بالمخاطر أو التحديات أو التهديدات الداخلية والخارجية الموجهة إليها والتي يُمكن أن تهددها ككيان، أو تحول دون تقدمها وقدرتها على التحرك في جميع المجالات لتعظيم قوتها الشاملة (سياسيًا، اقتصاديا، اجتماعيا، عسكريا / أمنيا … إلخ) بما يضمن ردع ومجابهة تلك المتغيرات، بهدف إحداث التنمية البشرية لازدهارها، وصيانة سيادتها على أقاليمها (البرية، البحرية، الجوية، الفضائية) والحفاظ على وجودها واستمرار بقائها» ([3]).

  • تقاطع المصالح (Intersection of Interests) يشير إلى الحالة التي تتداخل فيها مصالح جهات متعددة — سواء كانت دولًا، منظمات، جماعات، أو حتى أفرادًا — في منطقة جغرافية معينة، أو في قضية أو مورد معين، حيث تسعى كل جهة لتحقيق أهدافها الخاصة.
  • العمق الاستراتيجي (Strategic Depth ) “هو مفهوم يشير إلى قدرة الدولة على التأثير في محيطها الإقليمي والدولي من خلال استخدام مواردها السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعسكرية. وهو يشمل استخدام التاريخ والجغرافيا والموقع الجغرافي كأدوات لتعزيز النفوذ وتحقيق الأهداف الوطنية ([4]).
  • البيئة الرخوة (Soft Environment) هو مصطلح يُستخدم في الأدبيات الأمنية والسياسية للدلالة على البيئات أو الدول أو المناطق التي تفتقر إلى المناعة الداخلية، وتكون عرضة للاختراق، سواء من قبل جهات داخلية أو خارجية، بسبب هشاشة في أحد الأركان الأساسية للدولة: السيادة، الأمن، الحكم الرشيد، أو التماسك المجتمعي.
  • المنطقة الرمادية (Gray Zone) هو مصطلح يُستخدم في الأدبيات الأمنية والعلاقات الدولية لوصف حالات تقع بين الحرب والسلم، ويمثل فضاءً تعمل فيه الدول أو الفاعلون من غير الدول لتحقيق أهدافهم بوسائل غير تقليدية دون الوصول إلى حد الحرب المباشرة،أو حالة صراع غير معلن تتسم باستخدام أدوات ضغط سياسية، اقتصادية، معلوماتية، استخباراتية، أو عسكرية محدودة، تهدف إلى تقويض خصم ما أو تغيير ميزان القوى، دون تجاوز الخط الفاصل الذي يستدعي ردًا عسكريًا مباشرًا.

ثانيا: الموقع الجغرافي للصومال: (من النعمة الجيوالاستراتيجية إلى اللعنة الجيوبوليتيكية)

يقع الصومال – جغرافياً في جزء مهم وحيوي من منطقة القرن الإفريقي، حيث تمتد سواحله من الحدود مع جيبوتي شمالاً، وحتى الحدود مع كينيا جنوباً، بطول 1800 كلم. وبهذا الوضع يُشكل الكتلة اليابسة الممتدة في المياه في الاتجاه الشمالي على شكل قرن ([5]).

يحد الصومال كل من خليج عدن والمحيط الهندي من ناحية الشرق وإثيوبيا من ناحية الغرب وجيبوتي من ناحية الشمال الغربي، أما من الجنوب الغربي فتحدها كينيا.

وتقع جمهورية الصومال بحدودها الحالية بين خطي طول 51415 شرقا، وبين دائرتي عرض 2 جنوبا 12 شمالا، وتمتد سواحله من جنوب مضيق باب المندب حتى (رأس جارد أفوري) الذي يسميه الصوماليون رأس عصير ثم على طول المحيط الهندي حتى نهر تانا في شرق كينيا، وتبلغ مساحتها 637,657كم وهي تشكل مثلثاً رأسه في الشمال مكونة رأس القرن الإفريقي، وهو العضو الوحيد في جامعة الدول العربية الذي تمتد أراضيه جنوب خط الاستواء ([6]).

يُمثل الموقع الجغرافي للصومال من أبرز المواقع الاستراتيجية في القرن الإفريقي، حيث يمتد الساحل الصومالي لحوالي 3,333 كيلومترًا، وهو الأطول في القارة الإفريقية، مُطلًا على المحيط الهندي شرقًا وخليج عدن شمالًا. هذا الامتداد الساحلي الهائل يمنح الصومال ميزة جيو-استراتيجية فريدة، إذ يتحكم بشكل غير مباشر في ممرات بحرية حيوية تصل بين الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا وأفريقيا، أبرزها مضيق باب المندب الذي يمثل بوابة الخليج العربي إلى المحيط الهندي، الذي يجعله بوابة بحرية طبيعية تربط أسواق الخليج العربي وآسيا بأوروبا وأفريقيا، ويمنحه إمكانية التحكم في الممرات البحرية الدولية الحيوية. هذه المزايا تعكس النعمة الجيو-استراتيجية للصومال، التي تمنحه القدرة على تطوير الموانئ، واستغلال الموارد البحرية، وتعزيز التجارة الإقليمية والدولية.

أصبحت المياه سلاحاً جيوبوليتيكياً في العصر الحديث، ووفقاً للقوانين الجيوبولوتيكية السبعة التي أوردها الألماني فردريك ارتزال والتي تحكم حركة الدولة في مجالها الحيوي {الذي تسعى إليه} إذ إن الدولة تسعى أثناء مراحل نموها إلى ضم واستيعاب الأقاليم ذات القيمة السياسية وفي مقدمتها العوامل البحرية والمجاري المائية ([7]).

إن التناقض بين الفرص البحرية الاستراتيجية والمخاطر الجيوبوليتيكية يجعل من دراسة الموقع الجغرافي للصومال وتحليل موانئه وأهميته الاقتصادية والأمنية أمرًا حيويًا لفهم أبعاد الأمن القومي وتقاطع المصالح الإقليمية، ولرسم استراتيجيات عملية لتحويل هذا الموقع من مصدر تهديد إلى رافعة للتنمية والاستقرار الإقليمي والدولي.

تتجلى الأهمية البحرية للصومال في مجموعة من الموانئ الرئيسية التي تُشكل محورًا للتجارة والاقتصاد البحري:

  1.  ميناء مقديشو: 

يقع ميناء مقديشو على الساحل الجنوبي الشرقي للصومال، في العاصمة، وعلى بُعد بضعة أميال بحرية من الميناء الاستراتيجي في مومباسا. يُعد هذا الميناء، الميناء الرئيسي للصومال، ويحيط به حاجز أمواج اصطناعي ضخم يمتد لمسافة 359 مترًا، إضافة إلى قناة ملاحية بعمق 14 مترًا.

يعود تاريخ الميناء إلى العصر الروماني، حين كان مركزاً تجارياً مزدهراً باسم سارابيوم. لكنه تراجع خلال العصور الوسطى، ثم أُعيد إحياؤه مع وصول البحّارة الإيطاليين في أواخر القرن الثامن عشر، إذ قاموا بإدخال تحسينات جذرية وأرسوا أسس منشأة مينائية حديثة.

حاليًا، يضم ميناء مقديشو 6 أرصفة، منها 5 أرصفة مخصصة للبضائع العامة يبلغ طول كل منها 160 مترًا، إضافة إلى رصيف للحاويات بطول 200 متر. وقد خضع الميناء لعملية تحديث وأُعيد افتتاحه في عام 2006، وهو قادر على استقبال سفن يصل وزنها إلى 10,000 طن وزني (DWT) وبغاطس أقصى يبلغ 9 أمتار. ويستقبل الميناء سنويًا حوالي 245 سفينة محمّلة بالبضائع.

  • ميناء بربرة:

يقع ميناء بربرة على الساحل الشمالي للصومال، في الطرف الجنوبي الشرقي من خليج عدن. يتكون الميناء من لسان رملي منخفض في الشمال يعمل حاجز أمواج يحمي الأرصفة الواقعة في الجنوب. ويبلغ عرض قناة الدخول إلى الميناء حوالي 800 متر، وعمقها يقارب 16.5 مترًا، ما يوفر مرسيين رئيسيين للسفن.

يشتهر الميناء بتصدير جلود الحيوانات، السمن (Ghee)،الصمغ، والماشية بما في ذلك الأغناموالماعز. أما السلع المستوردة الرئيسية فتشمل المنتجات القطنية، السكر، الأرز والتمور. يتم التعامل في ميناء بربرة مع حوالي 250,000 طن من البضائع وأكثر من 130 سفينة سنويًا.

  • ميناء بوصاصو:

يُعرف أيضًا باسم ميناء بندر قاسم، ويقع في الجزء الجنوبي من خليج عدن. يحمي الميناء رصيف بطول420 مترًا في الشمال وحاجز أمواج بطول 200 متر في الجنوب. ويُعد ميناءً رئيسيًا يخدم إقليم بونتلاند في شمال شرق الصومال. تشمل الصادرات الرئيسية الماشية مثل الأبقار والأغنام والجمال، كما يستقبل شحنات سائبة تشمل الأسمنت، والسكر، والأرز ، ومواد البناء.

تم بناء ميناء بوصاصو أساسًا لنقل الماشية إلى دول الشرق الأوسط، خاصة الإمارات العربية المتحدةوالمملكة العربية السعودية. بدأت الأعمال في منتصف تسعينيات القرن الماضي واكتملت بتركيب منشآت ومعدات حديثة عام 2012.

في عام 2017، مُنحت شركة P & O Ports، التابعة لمجموعة DP World، امتيازًا لمدة 30 عامًا لإدارة ميناء بوصاصو وتوسيعه.  وبدأت الأعمال لبناء رصيف بطول 455 مترًا وساحة تخزين بمساحة 5.5 هكتار، كما جرى تعميق الميناء إلى 12 مترًا، واستثمرت الشركة في تركيب أحدث أنظمة تشغيل المحطات الطرفية IT والمعدات المينائية الحديثة.

  • ميناء مركا:

يقع ميناء مركا في جنوب الصومال، على ساحل المحيط الهندي، على بُعد حوالي 70 كيلومترًا جنوب غرب ميناء مقديشو الرئيسي. يتألف الميناء من مرسى مفتوح وشعاب مرجانية بحرية، ما يجعل من الضروري نقل البضائع  بوساطة القوارب الصغيرة.

يصنف الميناء على أنه ـميناء رصيف (Jetty Class Port)، ويشتهر بتصدير الموز. في أوائل القرن العشرين، كان قرية صيد صغيرة، لكن تم إعادة بناء الميناء ليصبح ميناءً عمليًا على يد الحاكم الإيطالي للمدينة الذي أطلق عليه اسم Porto di Merca.  ومع إنشاء مستوطنة إيطالية في المدينة، تحسنت البنية التحتية وأُطلق على الميناء لقب “Porto bananiero” أو ميناء الموز حيث كانت صادرات الموز الصومالي تصل إلى معظم الدول الأوروبية حتى في تلك الفترة.

  • ميناء كسمايو:

يقع ميناء كيسمايو على الساحل الجنوبي للصومال. يتكون من خليج محمي وحاجز أمواج خرساني في الجنوب يوفر مرافق لإرساء السفن. يُستخدم الميناء لتصدير الموز ويستقبل سنويًا أكثر من 50 سفينة وقاطرة صغيرة.

تم بناء الميناء عام 1966 لشحن المحاصيل الزراعية والآلات الخفيفة، نظرًا لأن الطريق بين مقديشو وكيسمايو لم يكن صالحًا للاستخدام خلال أشهر الرياح الموسمية (الموسمية). ويخدم الميناء منطقة جوبا السفلى، لكنه بحاجة ماسة إلى أعمال صيانة، إذ إن حوالي 80% من مرافقه غير صالحة للتشغيل)[8](.

  • ميناء هوبيو:

يقع ميناء هبيو شمال وسط إقليم مدغ، وعلى بعد حوالي 265 كم جنوب شرق جالكعيو عاصمة الإقليم وحوالي 50 كم شمال حاررطيري و300 ميل شمال شرق العاصمة مقديشوا.

كانت مدينة هوبيو في القرون الماضية قاعدة لسلطنة هوبيو التي أسسها السلطان يوسف علي كيناديد في السبعينيات من القرن التاسع عشر، ثم حكمها في وقت لاحق أعضاء متعاقبون من أسرة كيناديد. في عام 1888، وقّع السلطان يوسف معاهدة مع إيطاليا وصارت مدينة هوبيو جزءا من المحمية الإيطالية.

يعدّ ميناء هوبيو الواقع على الساحل الشمالي الشرقي للصومال وبالقرب من خليج عدن واحدا من أقدم الموانئ الصومالية، وكان هو المكان المفضل للبحّارة الذي يستخدمون مضيق باب مندب ويتوقفون عند المدينة للتزود باحتياجاتهم من المياه العذبة.

ولأهميتها صارت مدينة هوبيو خلال السنوات الماضية أحد أهم معاقل القراصنة ونقطة تجمع رئيسية لهم عندما كانوا في ذروة نشاطهم عام2011م ([9]).

هذه الموانئ تجعل الصومال لاعبًا محوريًا في التجارة البحرية الدولية وتتيح له الاستفادة من الموارد البحرية الغنية مثل صيد الأسماك والنفط والغاز البحري كما تمنحه القدرة على أن يكون محورًا تجارياً ودولياً، سواء للشحن البحري وتجارة البضائع العابرة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وفي المجال العسكري والاستراتيجي، تمنح السيطرة على ممرات بحرية حيوية (كمضيق باب المندب الذي يمر عبره يومياً حوالي 4.8 مليون برميل نفط الي أوروبا وأمريكا) القدرة على مراقبة التجارة الدولية والتأثير في الأمن الإقليمي والدولي.

كان من المفترض أن يجعل هذا الموقع الصومال بوابة بحرية إقليمية مهمة تتحكم في القرن الإفريقي والعمق الاستراتيجي الخليجي ونقطة جذب للاستثمار والتجارة الدولية وكذلك دورًا استراتيجياً في الأمن الإقليمي والتكامل الاقتصادي إلى جانب تحالف سياسي وشراكات عسكرية قوية،إلا أنعدماستغلال الصومال لموقعه الاستراتيجي المهم وموانئه البحرية أورثه مجموعة من التحديات السالبة على المستوى السياسي، الأمني، والاقتصادي، ويمكن تلخيصها كالتالي:

  1. انهيار الدولة الصومالية في مطلع التسعينيات.

على الرغم من أن انهيار الدولة الصومالية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي كان نتيجة عوامل داخلية أبرزها غياب الرؤية الوطنية والنظام القبلي والمحسوبية والاستبداد بالحكم فإن ثمة أيضاً عوامل خارجية تتمثل بالإرث الاستعماري والصراع الإقليمي والدولي حول الموقع الاستراتيجي المهم للصومال.

  • الضعف الاقتصادي.

مع امتلاكها أطول ساحل في القرن الافريقي، فإن الصومال لم تتحول إلى مركز تجاري أو مينائي دولي، حيث خسرت فرصًا هائلة في الصيد البحري، النقل البحري، والاستثمارات اللوجستية، واعتمد الاقتصاد بشكل كبير على المساعدات الخارجية والتحويلات المالية من المغتربين، بدلًا من الموارد البحرية المحلية.

  • الهشاشة الأمنية.

الموانئ غير المستغلة أصبحت ممرات لتهريب الأسلحة والمخدرات، القرصنة البحرية، والجماعات الإرهابية. وضعف السيطرة على السواحل جعل الصومال بيئة مثالية للجماعات الإرهابية مثل حركة الشباب وتنظيم القاعدة، وهو ما أثّر في الأمن الإقليمي والدولي.

  • عدم الاستقرار السياسي.

عدم الاستفادة من موقعها الاستراتيجي قلل من نفوذها السياسي على المستوى الإقليمي والدولي، وأصبحت الصومال ميدانًا لتقاطع مصالح دولية وإقليمية دون أن تحقق مصالحها الوطنية، مما يطلق عليها الباحث “لعنة الجيوبوليتيك”.

  •  تراجع التنمية البشرية والبنية التحتية.

عدم الاستثمار في الموانئ والمدن الساحلية أدى إلى ضعف البنية التحتية، ومحدودية الوظائف، ونقص الخدمات الأساسية في المناطق الساحلية، كما جذب أطماع دول الجوار الجغرافي كأثيوبيا وكينيا اللتين حاولتا استقطاع أجزاء من البحر إما عن طريق تغيير مسار خط الحدود البحري كحالة كينيا أو إبرام مذكرة تفاهم غير شرعية لكيان غير معترف به كحالة إثيوبيا.

 هذه المزايا الكبيرة للموقع الجيوالاستراتيجي للصومال تحولت في الوقت ذاته إلى لعنة جيوبوليتيكية. فقد جعل تقاطع المصالح الإقليمية والدولية الصومال ساحة لصراعات النفوذ بين القوى الكبرى والإقليمية، مثل تركيا، الإمارات، قطر، إثيوبيا، كينيا، والولايات المتحدة، الصين، وروسيا. وقد انعكس ذلك في تدخلات مباشرة وغير مباشرة، من دعم جماعات مسلحة إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتأجيج النزاعات الداخلية، مما أدى إلى تهديد السيادة الوطنية واستقرار الدولة.

ثالثا: تحليل البيئة الاستراتيجية للصومال “القوي الإقليمية والدولية المؤثرة في الصومال” (تحليل الوضع الراهن)

  في زمن الصراعات الحديثة والمعاصرة، لم تكن ساحات المعارك مقصورة على الميدان العسكري التقليدي (الاستراتيجية الحربية) ولم تُعد الأدوات الخشنة (السلاح الفتاك) وحدها هي ما تصنع الفارق وترجح كفة النزاعات، بل تُخاض النزاعات المعاصرة بوسائل جديدة أكثرا تعقيداً وأقل ضجيجاً، إذ تُستخدم أدوات ناعمة كالتكنولوجيا والعقوبات الاقتصادية والحروب بالوكالة وحتى الجغرافيا، كأسلحة فتاكة وفعالة في معارك النفوذ والتأثير وحتى السيطرة والهيمنة. ومن بين هذه الأدوات الفتاكة، يتجلى الدور المحوري للموقع الجيوالاستراتيجي والموانئ البحرية بوصفها مفاصل استراتيجية قادرة علي قلب موازين القوي من دون إطلاق رصاصة واحدة، بيد أن هذه النعمة قد تتحول الي نقمة إذا اقترنت بهشاشة الوضع الداخلي، وضعف مؤسسات الدولة والانقسامات المجتمعية، وغياب الرؤية الوطنية والوعي الجيوبوليتيكي لدى النخب الحاكمة بمختلف مستوياتها.

وتُمثل الحالة الصومالية مثالًا صارخًا على ذلك، إذ تحوّل الموقع الجيوإستراتيجي المميز إلى عبء جيوبوليتيكي فاقم هشاشة مؤسسات الدولة، وعمّق الانقسامات الداخلية، وزاد من حدة التجاذبات الدولية.

إن هذا الواقع الجيوبوليتيكي المُعقد أفرز تحديات أمنية جسيمة تهدد استقرار الدولة الصومالية، وتؤثر في قدرتها في صياغة سياسات أمن قومي مستقل وفعّال. وتُعد البيئة الإستراتيجية لأي دولة “مجموعة من القوى والعوامل والظروف الخارجية والداخلية التي تؤثر بدرجة ما في الإستراتيجيات والقرارات والإجراءات التي تتخذها الدولة”.

إن تحليل البيئة الاستراتيجية للصومال ويشمل مصطلح (البيئة الإستراتيجية) كلاً من البيئة الدولية والإقليمية والمحلية”، لا يقتصر على رصد عناصر الجغرافيا السياسية فحسب، بل يتطلب فهمًا عميقًا للتفاعلات الديناميكية بين البنية الداخلية للدولة، وهشاشة مؤسساتها، والتوازنات الإقليمية التي تتأثر بها، فضلًا عن التدخلات الدولية التي تتنوع بين الدعم والتوظيف. كما أن طبيعة التهديدات في الصومال، سواء كانت نابعة من التنظيمات الإرهابية كحركة الشباب، أو النزاعات القَبلية، او الصراعات حول السلطة وتقاسم الثروة بين المركز والولايات بسبب النظام الفيدرالي الهش وغير المتفق عليه، أو التدخلات الأجنبية، تجعل من هذا التحليل ضرورة لفهم آفاق الأمن القومي الصومالي واستشراف مساراته المستقبلية، وإمكانات بناء استراتيجية وطنية متماسكة تعزز الاستقرار والتنمية.

وتمتاز البيئة الاستراتيجية للصومال بتعقيد شديد نابع من تداخل عدة عناصر جغرافية، وسياسية، وأمنية، واجتماعية بجانب تدخلات إقليمية ودولية. ويُشكّل هذا التعقيد بيئة خصبة ورخوة لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، مما يجعل الصومال ساحة مفتوحة للتجاذبات والصراعات المباشرة وغير المباشرة.

ويمكن تحليل البيئة الاستراتيجية للصومال عبر المحاور التالية.:

أولاً: البيئة الاستراتيجية المحلية للصومال.

  • البعد الجغرافي – الجيوإستراتيجي:
  • يقع الصومال على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، مطلًّا على خليج عدن والمحيط الهندي، وقريبًا من مضيق باب المندب الذي يُعد بوابة حيوية للتجارة والطاقة بين الشرق الأوسط وأوروبا.
  • يوفّر هذا الموقع ميزة استراتيجية تجذب الفواعل الإقليمية والدولية التي تسعى إلى بسط النفوذ البحري وتأمين مصالحها التجارية والعسكرية.
  • لكن هذه الميزة تحوّلت إلى “لعنة جيوبوليتيكية” في ظل غياب دولة قوية قادرة على حماية هذا الموقع وتوظيفه لمصلحة الأمن القومي، ما جعل الصومال ساحة لصراع النفوذ الإقليمي.
  • أحد أبرز العوامل التي أسهمت في تحويل الجغرافيا من نعمة إلى نقمة هو غياب الوعي الجيوبوليتيكي للنخب الحاكمة والرؤية الوطنية الموحدة، وضعف إدراك النخب الحاكمة لأهمية الموقع الجغرافي في معادلات الأمن والسيادة.
  • هشاشة البيئة السياسية والأمنية الداخلية
  • منذ انهيار الدولة المركزية عام 1991، لم تتمكن الصومال من بناء “مؤسسات دولة مستقرة تستند إلى رؤية وطنية تحدد هوية الصوماليين وغاياتهم الوطنية” وقادرة على فرض سيادتها على كامل التراب الوطني.
  • ضعف السلطة المركزية، وانتشار الفاعلين المسلحين من ميليشيات إرهابية كحركة الشباب وتنظيم داعش ومليشيات عشائرية متناحرة، أفرز بيئة أمنية رخوة، تُستخدم كمنطقة رمادية من قبل الأطراف الخارجية.
  • تُشكل الخلافات السياسية المرتبطة بملف التعديلات الدستورية والانتقال إلى نظام انتخابي مباشر أحد أبرز المعضلات التي تُعطل مسار بناء الدولة في الصومال، وتغذي الانقسامات بين الأطراف السياسية، وتُسهم في تأزم البيئة الاستراتيجية للبلاد. فالدستور الصومالي لا يزال مؤقتًا منذ اعتماده عام 2012، وما زالت عملية استكماله محل تجاذب بين الحكومة الفيدرالية والولايات، وسط تباينات حادة في الرؤى بشأن شكل نظام الحكم، وتوزيع السلطات، وآلية إدارة الموارد والانتخابات.
  • هذه البيئة الهشة تُسهل التدخل الخارجي عبر دعم أطراف داخلية متصارعة، ما يعمّق الانقسام السياسي ويفشل مشاريع بناء الدولة.
  •  الصراع بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية
  • يُشكّل الصراع المستمر بين الحكومات المركزية المتعاقبة في مقديشو والولايات الفيدرالية أحد أبرز عناصر التوتر داخل البيئة الاستراتيجية المحلية للصومال، ويعكس هذا الصراع خللاً بنيويًا في العلاقة بين مستويات الحكم المختلفة، ويُضعف من قدرة الدولة على بناء نظام سياسي وأمني موحّد وفاعل.
  • بينما تسعى الحكومة المركزية إلى تعزيز سلطتها وبسط نفوذها على الأقاليم كافة، تتمسك الولايات الفيدرالية بمساحات واسعة من الاستقلالية، كولاية بونتلاند  أمّ النظام الفيدرالي، وتتجاوز في كثير من الأحيان الصلاحيات المقرّرة لها دستوريًا، وهو ما يؤدي إلى صدامات متكررة بشأن تقاسم السلطة، وعائدات الموارد، وصلاحيات التمثيل الخارجي، وإدارة الملف الأمني.
  • فاقمت عوامل منها: غياب دستور دائم، واستمرار العمل بدستور مؤقت غير متوافق عليه، والتعديلات الدستورية الأخيرة، من الانقسام الداخلي، إذ تُفسر كل جهة النصوص القانونية بما يخدم مصالحها. كما يُستغل هذا التوتر من قبل الفاعلين الإقليميين، كإثيوبيا وكينيا وبعض الدول الخليجية، الذين يجدون في الولايات منفذًا للتأثير في الشأن الصومالي بعيدًا عن الحكومة المركزية، وتحقيقاً لمصالحها الاستراتيجية واستخدامها كمنطقة رمادية في صراعها مع خصومها أو إبراز عضلاتها كقوة إقليمية مؤثرة، مما يُعمّق الانقسامات الداخلية ويُعطّل جهود بناء الدولة.
  • الحركات الإرهابية كحركة الشباب وتنظيم داعش تُعدّ من مهددات البيئة الاستراتيجية في الصومال
  • تُعدّ الحركات الإرهابية، وعلى رأسها حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، وتنظيم داعش في ولاية بونتلاند، من أبرز التحديات التي تشكّل البيئة الاستراتيجية للصومال، حيث استطاعت هذه الجماعات أن تستغل هشاشة الدولة، والانقسامات السياسية، والفراغات الأمنية، لبسط نفوذها على مساحات واسعة، لا سيما في الجنوب والوسط بالنسبة لحركة الشباب، وفي المناطق الجبلية والنائية من بونتلاند بالنسبة لتنظيم داعش.
  • وجود هذه الجماعات الإرهابية يُشكّل عاملًا أساسيًا في إطالة أمد الصراع، يُسهم في إضعاف ثقة المواطن بالدولة، ويُستخدم كذريعة لتبرير التدخلات الأجنبية، ويُعمّق من اختلال موازين القوى الداخلية، مما يجعل البيئة الاستراتيجية الصومالية أكثر هشاشة، وأقل قدرة على التماسك والاستقرار.

ثانياً: البيئة الاستراتيجية الإقليمية للصومال.

اتسمت البيئة الإقليمية للصومال بدرجة عالية من السيولة والتجاذب الجيوسياسي، وتتداخل فيها مصالح دول الجوار الجغرافي والدول الإقليمية الفاعلة في القرن الإفريقي بطريقة تُعيد تشكيل المعادلات الجيوبوليتيكية للصومال بشكل دائم. وبحكم الموقع الجغرافي الاستراتيجي للصومال المُطل على مسطحين مائيين هما “البحر الأحمر والمحيط الهندي”، وامتداده الحدودي مع إثيوبيا وكينيا، بالإضافة إلى عمقه الاستراتيجي للأمن العربي، أصبح الصومال مسرحًا لتقاطعات المصالح والنفوذ والتوازنات الإقليمية.

وتسعى بعض الدول الإقليمية إلى تعزيز نفوذها السياسي أو الاقتصادي أو الأمني في الصومال، من خلال استراتيجية شد الأطراف ودعم كيانات بعينها – سواء كانت حكومية أو محلية أو عشائرية مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تضارب في الأجندات، وتعميق الانقسامات الداخلية، وتأزيم العلاقة بين المركز والولايات.

كما تؤدي إثيوبيا وكينيا دورًا مُزدوجًا، فالدولتان عقدتا اتفاقية للدفاع المشترك عام 1963م جاءت رد فعل مباشر على ما اعتبراه “أطماعاً صومالية” في الأراضي التي تم اقتطاعها من الصومال خلال فترة الاستعمار، وأُلحقت بدول الجوار، خصوصًا المنطقة الصومالية الغربية (أوغادين) في إثيوبيا، والمناطق الشمالية الشرقية (NFD) في كينيا.   وتشارك الدولتان في بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الأمن (ATMIS)في الصومال، وفي الوقت نفسه لديهما مصالح أمنية وسياسية واقتصادية معقدة في الداخل الصومالي، خاصة فيما يتعلق بمناطق الحدود والنزاعات العرقية أو البحرية.

أما في السياق الخليجي، فقد انعكس الصراع الخليجي الخليجي – لا سيما خلال الأزمة الخليجية (2017–2021) – على الداخل الصومالي، حيث انحازت بعض الولايات مثل بونتلاند وجوبالاند إلى دول الحصار وخاصة الإمارات العربية المتحدة، بينما انحازت الحكومة المركزية في مقديشو لدولة قطر بسبب دعمها المالي لها. وكانت هذه الدول تسعي للحصول على موانئ استراتيجية أو موطئ قدم في منطقة القرن الإفريقي. كما أن التنافس بين الإمارات وتركيا وقطر وحتى مصر في بعض الأحيان، يُغذي ديناميكيات أمنية واقتصادية شديدة التعقيد في الداخل الصومالي. 

  • وفيما يلي أبرز القوى الإقليمية المؤثرة في البيئة الاستراتيجية الإقليمية للصومال، مع توضيح لطبيعة تأثير كل منها.

1.إثيوبيا: الدور   والتأثير   والدوافع
     تُعد إثيوبيا من أبرز الفاعلين الإقليميين المُنخرطِين في الشأن الصومالي، بحكم حدودها الطويلة معه، وصراعها الأزلي المتجدد، والعلاقات التاريخية المتوترة.

 منذ انهيار الحكومة المركزية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي تتخذ إثيوبيا استراتيجية شد الأطراف وكانت بالمرصاد لكل الجهود التي بُذلت من أجل إعادة بناء دولة صومالية قوية، وتستخدم الكيانات المحلية الموالية لها كأوراق ضغط ومساومة ضد الحكومة المركزية في مقديشو، وتشارك بقوات ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي، لكنها في الوقت ذاته تنفذ عمليات عسكرية بشكل منفرد داخل الأراضي الصومالية.

الدوافع:

 تتلخص الأجندة المعلنة لإثيوبيا في حماية أمنها القومي من الجماعات المسلحة مثل حركة الشباب، ومنع تصاعد القومية الصومالية التي ترى في إقليم أوغادين جزءًا من “الصومال الكبير”. أما الأجندة غير المعلنة، فتتمثل بزعزعة استقرار الصومال عبر خلق أذرع موالية لها في مناطق الحدود ورغبتها في الوصول إلى البحر بعد إعادة إنشاء قواتها البحرية عبر إبرام مذكرة تفاهم غير شرعية مع كيان غير معترف به دوليا، وهو ما أثار جدلًا كبيرًا في السنوات الأخيرة.

2.كينيا: الدور  والتأثير والدوافع:

يُعد دور كينيا من الأدوار الإقليمية المؤثرة والمعقدة للشأن الصومالي، فهو يتراوح بين الدعم الأمني والانخراط العسكري، وبين التدخل السياسي والصراعات الاقتصادية، وأحيانًا الاتهامات بانتهاك السيادة الصومالية. تتبع نيروبي في تعاملها مع الملف الصومالي ازدواجية المعايير وسياسة شد الأطراف، فتبرم اتفاقيات أمنية واقتصادية ودبلوماسية مع الحكومة المركزية تارة، وتتعامل مع ولاية جوبالاند ككيان مستقل ذات سيادة تارة أخرى. ومما يؤجج الصراع الصومالي الكيني النزاع الحدودي البحري بعد تغيير كينيا مسار خط الحدود البحري في المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصلحتها، وبعد أن رفع الصومال القضية الي محكمة العدل الدولية، أصدرت الأخيرة حكما قضائيا في عام 2021م لمصلحة الصومال نسبيا، لكن كينيا رفضت الحكم ([10])..

الدوافع:
الأجندة المعلنة لكينيا هي ضبط حدودها، وحماية أمنها القومي من تهديدات حركة الشباب الإرهابية والتعامل مع ملف جوبالاند بحكم موقعه الجغرافي اللصيق مع الحدود الكينية والتداخل الإثني والعرقي والقبلي بين السكان الذين يشكلون صوماليين قسمهم الاستعمار في البلدين. أما الأجندة غير المعلنة فهي التأثير في مناطق جوبا السفلى وجوبا الوسطى عبر علاقات مع بعض المكونات المحلية، فضلًا عن النزاع البحري مع الصومال حول المناطق الغنية بالنفط والغاز في المحيط الهندي.

3.الإمارات العربية المتحدة: الدور   والتأثير   والدوافع:

يُعد الدور الإماراتي في الصومال من أكثر الأدوار الإقليمية إثارة للجدل وتأثيراً في الشأن الداخلي الصومالي، وذلك لكونه يجمع بين الدعم الاقتصادي والمساعدات الإنسانية من جهة، والتدخل السياسي والعسكري من جهة أخرى، في إطار صراع النفوذ الخليجي والبحث عن موانئ بحرية إستراتيجية وموطئ قدم استراتيجي في القرن الإفريقي ([11]).

منذ 2014، قامت الإمارات بتدريب وتجهيز وحدات من الجيش الصومالي، لكنها أوقفت هذا الدعم في 2018 بعد أزمة مصادرة أموال إماراتية في مطار مقديشو، واتهمت الحكومة الصومالية الإمارات بتهريب الأموال والتدخل في شؤونها. تركز الإمارات على النفوذ الاقتصادي والعسكري في الصومال، من خلال مشاريع البنية التحتية في بعض الموانئ مثل بربرة (أرض الصومال) وبوصاصو (بونتلاند). كما دعمت بعض الكيانات المحلية في فترات من التوتر مع الحكومة الفيدرالية ([12]).

الدوافع:
تسعى الإمارات إلى التموضع الاستراتيجي في القرن الإفريقي، وترسيخ نفوذها في البحر الأحمر وخليج عدن وتأمين خطوط الملاحة، وتنظر إلى الصومال على أنه موقع استراتيجي في صراع النفوذ مع تركيا وقطر، خاصة خلال وبعد الأزمة الخليجية (2017–2021). ومواجهة النفوذ التركي والقطري.

4.تركيا: الدور والتأثير والدوافع

الدور والتأثير: يُعد الدور التركي في الصومال من أنجح وأوسع نماذج الحضور التركي في إفريقيا، ويُنظر إليه باعتباره مزيجًا بين النفوذ الإنساني، والتنموي، والاقتصادي، والعسكري، مدفوعًا بأهداف جيوسياسية واستراتيجية.
  وتُعد تركيا من أكبر داعمي الحكومة الفيدرالية، وقد أنشأت أكبر سفارة لها في العالم في مقديشو، وتدير مشاريع إنسانية وتنموية في الصومال، بالإضافة إلى وجود أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها، وتدريب الجيش الصومالي ([13]).

الدوافع:
  توسيع النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ودعم حكومات شرعية متحالفة معها. سياسيًا وأيديولوجيًا. والصومال جزء من مشروع تركيا لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وموازنة النفوذ الإماراتي والمصري. كما يُعد الصومال سوقًا واعدًا وفرصة لتوسيع الاستثمارات التركية في إفريقيا.

5.قطر: الدور والتأثير والدوافع

 الدور القطري في الصومال يُعد من أكثر الأدوار هدوءًا من حيث الظهور الإعلامي، لكنه فعّال واستراتيجي من حيث التأثير السياسي والاقتصادي. تتعامل قطر مع الصومال بوصفه ركيزة في سياستها الخارجية ضمن القرن الإفريقي، مستفيدة من التحالف مع تركيا، ومستثمرة في الصراعات الخليجية والإقليمية لكسب النفوذ في منطقة شديدة الأهمية الجيوسياسية.

الدوافع:

تعزيز الحضور في منطقة القرن الإفريقي، ومواجهة النفوذ الإماراتي والسعودي، خاصة خلال فترة الأزمة الخليجية. والصومال يمثل عمقًا جيوسياسيًا مهمًا في خليج عدن والبحر الأحمر، وهو مجال تنافس خليجي–إقليمي ساخن.

6.مصر: الدور والتأثير والدوافع:

لم تشهد العلاقات الصومالية المصرية منذ الألفية الجديدة تطورًا ملموسًا، بل تحولت هذه العلاقة من المركز إلى الهامش، ، على الرغم من أهمية الصومال الإستراتيجية بالنسبة لمصر، لكن الحضور المصري في الصومال زاد بعد عودة الرئيس حسن الشيخ محمود إلى الرئاسة في منتصف مايو من عام 2022م. وشهدت العلاقات بين البلدين تحولات جيوسياسية متسارعة  في منطقة القرن الأفريقي مع بروز مصر كلاعب جديد في المشهد الصومالي عقب إبرام القاهرة ومقديشو اتفاقية تعاون عسكري منتصف أغسطس 2024، في خطوة تعكس تعميقًا لافتا للعلاقات بين البلدين([14]).

الدوافع:

ويمكن سرد أهم دوافع اهتمام مصر بمنطقة القرن الإفريقي، والصومال تحديدًا، في الآتي:

1-مسألة الأمن المائي المصري. 

2- أمن البحر الأحمر: بعد توقيع مذكرة التفاهم بين أرض الصومال (صوماليلاند) وإثيوبيا.

3- منفذ بحري وقاعدة عسكرية إثيوبية.

4- النفوذ التركي المتزايد 2011-2024([15]).

7.جيبوتي: الدور والتأثير والدوافع:

العلاقات بين الصومال وجيبوتي علاقات ضاربة الجذور، تستند إلى أواصر الأخوة والقرابة والدم المشترك، الأمر الذي جعلها تتجاوز الطابع الدبلوماسي الرسمي إلى روابط اجتماعية وثقافية عميقة. ومنذ انهيار الحكومة المركزية الصومالية مطلع تسعينيات القرن الماضي، برزت جيبوتي في موقع “الأخ الصغير” الحريص على أداء دور الوسيط في الشأن الداخلي الصومالي، وسعت إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين والعشائر المتنازعة. وقد استضافت أراضيها معظم مؤتمرات المصالحة الوطنية، وكان أبرزها مؤتمر عرتا عام 2000م الذي تُوِّج بولادة الجمهورية الثالثة للصومال، مما رسّخ مكانة جيبوتي كفاعل محوري في مسار الاستقرار السياسي في الصومال.

الدوافع:

هناك حزمة من الدوافع التاريخية، السياسية، الأمنية، والجيواستراتيجية، يمكن تلخيصها فيما يلي:

1-الروابط التاريخية والاجتماعية. 2- أبعاد الأمن القومي الجيبوتي. 3-المكانة الإقليمية والدولية.

4-المصالح الاقتصادية. 5-التوازن الجيوسياسي. 6-البعد الإفريقي والعربي. 

ثالثا: البيئة الاستراتيجية الدولية للصومال:

يُشكل الصومال بحكم موقعه الجيوالاستراتيجي عند تقاطع المحيط الهندي وخليج عدن، وبإطلالته المباشرة على باب المندب، محور اهتمام القوى الكبرى التي تتنافس على النفوذ في القرن الإفريقي. فقد جعلته هذه الجغرافيا الحيوية ساحة صراع بين الولايات المتحدة التي تركز على مكافحة الإرهاب وحماية الممرات البحرية، والصين التي تسعى لتعزيز حضورها عبر استثمارات البنية التحتية والدعم الاقتصادي، وروسيا التي تحاول استعادة مكانتها العالمية عبر موطئ قدم عسكري وسياسي في المنطقة. في المقابل، كما يضطلع الاتحاد الأوروبي بدور بارز من خلال مكافحة القرصنة ودعم الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

1- استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الصومال

     تنطلق الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصومال من الرؤية الاستراتيجية الأوسع لواشنطن في القارة السمراء، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق توازن بين مكافحة الإرهاب وضمان الاستقرار الإقليمي من جهة، وحماية مصالحها الاستراتيجية في القرن الأفريقي من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تركز الاستراتيجية الأمريكية على ثلاثة محاور رئيسية: تعزيز القدرات الأمنية الصومالية عبر التدريب والدعم العسكري المحدود، مثل قوات دنب وتنفيذ ضربات دقيقة ضد التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها حركة الشباب في وسط وجنوب الصومال، وتنظيم داعش في ولاية بونتلاند ([16])، ومراجعة سياستها الدبلوماسية التقليدية بالانفتاح على أقاليم مثل صوماليلاند. كما تُولي الولايات المتحدة اهتمامًا خاصًا بالبحر الأحمر وباب المندب نظرًا لمكانتهما الحيوية في حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة الدولي، ولكونهما يُشكلان معبرًا استراتيجيًا يربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس. وفي هذا الإطار، يحتل الصومال موقعًا محوريًا في الاستراتيجية الأمريكية، إذ يمثل عمقًا جيوسياسيًا وأمنيًا يمكّن واشنطن من حماية الملاحة الدولية، ومواجهة الإرهاب والقرصنة، والتصدي لنفوذ القوى المنافسة في المنطقة)[17] .(

هذه المقاربة تعكس إدراك الإدارة الأمريكية بأن الصومال يُمثل نقطة ارتكاز حيوية في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، وأن أي فراغ أمني فيه قد يفتح المجال أمام الجماعات المتطرفة والقوى المنافسة لإعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة.

  وفي خطوة لافتة وجريئة على الساحة الجيوسياسية، عرض الرئيس الصومالي حسن الشيخ محمود في رسالة موجهة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (بتاريخ 16 مارس 2025) منح الولايات المتحدة “التحكم التشغيلي الحصري” في قواعد جوية وموانئ استراتيجية داخل الأراضي الصومالية، تشمل قواعد (بليدو جلي وبربرة) وموانئ (بربرة وبوصاصو). هدفت هذه المبادرة إلى تعزيز قدرة واشنطن على دعم الأمن الإقليمي ومنع دخول منافسين استراتيجيين إلى هذه المنطقة الحرجة)[18](.

كما يشهد القرن الأفريقي، بما في ذلك الصومال، صراعًا متصاعدًا بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ الجيوسياسي والاقتصادي. فبينما تسعى واشنطن إلى حماية مصالحها الاستراتيجية، وضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، ومكافحة الإرهاب، تركز بكين على توسيع نفوذها الاقتصادي عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية والموانئ ضمن مبادرة “الحزام والطريق”. هذا التنافس يضع الصومال في مركز اهتمامات القوى الكبرى، ويمنحه دورًا محوريًا في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي، ولكنه يضاعف أيضًا الضغوط السياسية والأمنية على الحكومة الصومالية)[19](.

  • استراتيجية الصين تجاه الصومال:

       في إطار استراتيجيتها الشاملة في إفريقيا والقرن الإفريقي بشكل خاص، تسعى الصين إلى توسيع نفوذها وتعزيز مصالحها الاستراتيجية من خلال تعزيز العلاقات مع الصومال. وتتجلى هذه الاستراتيجية في دعم وحدة الأراضي الصومالية، وتطوير التعاون الاقتصادي والعسكري، بالإضافة إلى الاستثمار في بناء القدرات البشرية والمؤسسية. وتركز الصين في سياستها الإفريقية على تأمين خطوط الملاحة الحيوية والاستثمارات الاستراتيجية، لا سيما في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، اللذين يشكلان ممرًا رئيسيًا للتجارة العالمية والطاقة. وشهدت العلاقات بين بكين ومقديشيو تطورًا لافتًا خلال الآونة الأخيرة، وظهر ذلك في اللقاء الذي جمع وزير الدفاع الصومالي، أحمد معلم فقي، مع سفير الصين لدى مقديشيو، في 25 يونيو 2025، لبحث تطوير مساحات التعاون العسكري والدعم اللوجيستي ومستجدات الأوضاع الأمنية في شرق أفريقيا ([20]).

     ويأتي اهتمامها بهذه المنطقة ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق، حيث تسعى لضمان حماية سفنها التجارية وتأمين وصول مواردها الاقتصادية إلى الأسواق العالمية. وتتبنى الصين تجاه الصومال استراتيجية متعددة الأبعاد تهدف إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في القرن الإفريقي، مع مراعاة التوازنات الإقليمية والدولية.

1.الدعم السياسي والاقتصادي

    تؤكد الصين دعمها الثابت لوحدة الأراضي الصومالية، إذ أيدت قرار الحكومة الصومالية في مايو 2025 بعدم قبول جوازات السفر التايوانية، مما يعكس التزام الصومال بمبدأ “الصين الواحد”.  كما تسعى الصين إلى تعزيز حضورها في القرن الإفريقي من خلال مشاريع استثمارية استراتيجية تتماشى مع مبادرة “الحزام والطريق ([21]).

2.التعاون العسكري والأمني

    شهدت العلاقات العسكرية بين الصين والصومال تطورًا ملحوظًا، حيث قدمت الصين مساعدات عسكرية تشمل مركبات وناقلات جند مدرعة، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي.  هذا التعاون يأتي في سياق التنافس الإقليمي والدولي في منطقة القرن الإفريقي، حيث تسعى الصين إلى تعزيز نفوذها لمواجهة التمدد الأمريكي ([22]).

3.التنمية المستدامة وبناء القدرات

   تركز الصين على الاستثمار في التعليم والتدريب المهني وبناء المؤسسات في الصومال، من خلال تقديم منح دراسية وفرص تدريبية للطلاب والمهنيين الصوماليين، مما يعكس شراكة استراتيجية ناضجة تهدف إلى تمكين الصومال من الاعتماد على نفسه ([23]).

4.التوازن الإقليمي والدولي.

   في مواجهة تحركات الولايات المتحدة في إثيوبيا وإقليم “أرض الصومال” الانفصالي، تسعى الصين إلى تعزيز علاقاتها مع الصومال كجزء من استراتيجيتها لمواجهة التنافس الإقليمي والدولي في المنطقة ([24]).

  • استراتيجية روسيا تجاه الصومال

يشهد القرن الإفريقي في السنوات الأخيرة تحوُّلات إستراتيجية مهمة مع عودة النفوذ الروسي إلى المنطقة، خاصةً في ظل التنافس المتزايد بين القوى العالمية للسيطرة على الممرات المائية ومصادر الثروات الطبيعية. ويُعدّ الصومال، بموقعه الجغرافي الإستراتيجي وإمكاناته التنموية الكامنة، بوابة رئيسية لهذا التوسُّع الروسي، خاصةً في ظل سعي الصومال لإعادة بناء دولته، وتعزيز شراكاته الخارجية لتحقيق الاستقرار والتنمية ([25]).

شهدت العلاقات الروسية–الصومالية في السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا يعكس تحولات أوسع في الاستراتيجية الروسية تجاه القارة الإفريقية والقرن الإفريقي على وجه الخصوص. فبعد عقود من الغياب عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، تسعى موسكو اليوم إلى استعادة حضورها في المناطق الحيوية المطلة على البحر الأحمر والمحيط الهندي، مستثمرة في الفراغ الجيوسياسي والتراجع النسبي للدور الغربي. ويأتي اهتمام روسيا بالصومال في هذا السياق، باعتباره موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية وبوابة طبيعية نحو موارد وفرص اقتصادية، إضافة إلى كونه منصة لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم ([26]).

دوافع روسيا:

  1. تحسين النفوذ البحري في البحر الأحمر والمحيط الهندي
    تسعى روسيا للوصول إلى موانئ استراتيجية مثل مقديشو وبربرة وكيسمايو، لتعزيز وجودها البحري على خط التجارة العالمي بين الهند ومضيق باب المندب وحتى قناة السويس
  2. الطاقة والموارد
    روسيا مهتمة بالوصول إلى فرص استثمارية في النفط والغاز والأسماك والزراعة والمعادن في الصومال، بغرض دعم اقتصادها وتعزيز نفوذها الاقتصادي. 
  3. الصومال كعنوان رمزي للاستراتيجية
    يُنظر إلى الصومال كشريك رمزي للدولة الروسية ليعكس عودتها إلى النفوذ الأفريقي وعلاقتها السياسية المتجددة بالدول الأفريقية التي كانت داعمة للاتحاد السوفياتي سابقًا ([27]).

ما تقدمه روسيا للصومال:

  1. دعم عسكري وأمني من دون قيود حقوقية صارمة
    توفر موسكو أسلحة، ومدربين عسكريين، ومستشارين، دون اشتراطات متعلقة بحقوق الإنسان.
  2. مساعدات تنموية واقتصادية
    تشمل تحسين البنية التحتية، ودعم الزراعة، والطاقة، والتنمية الاقتصادية، مثلما تم توقيعه في منتدى شراكة روسيا – إفريقيا.
  3. تخفيف الدين الصومالي
    أسهمت روسيا ضمن مجموعة نادي باريس بإلغاء جزء من ديون الصومال.
  4. مكافحة تمويل الإرهاب وتعزيز التشريعات
    جرى الاتفاق أيضًا على تطوير الأنظمة المالية لمكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى دعم التعاون الأمني الإقليمي لبناء قدرات متكاملة ([28]).

4-استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه الصومال

في إطار سعيه لتعزيز حضوره العالمي وترسيخ دوره كشريك أساسي في قضايا الأمن والتنمية، أولى الاتحاد الأوروبي اهتمامًا خاصًا بالصومال باعتباره أحد أهم بلدان القرن الإفريقي وأكثرها حساسية من الناحية الاستراتيجية، فالموقع الجغرافي للصومال المطل على خليج عدن والمحيط الهندي، والتحديات الأمنية والإنسانية التي يواجهها منذ عقود، جعلاه محورًا رئيسيًا في سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه المنطقة. ومن هذا المنطلق، بلور الاتحاد الأوروبي إستراتيجية شاملة تقوم على مبدأ “النهج المتكامل”، الذي يجمع بين دعم بناء الدولة وتعزيز الأمن والاستقرار، والإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الاستجابة للأزمات الإنسانية المتكررة.

أبرز الأهداف الإستراتيجية للاتحاد الأوروبي:

  1. بناء ودعم الدولة الصومالية
    من خلال دعم مؤسسات الحكم الانتقالي، والانتخابات، والمشاركة السياسية، وتفعيل دور المرأة والشباب والمجتمعات المهمشة.
  2. تعزيز الأمن والاستقرار
    عبر دعم مهمات الاتحاد الإفريقي، تدريب القوات المحلية، مكافحة القرصنة، وتحسين قدرات الشرطة البحرية والقوات الأمنية المدنية.
  3. دعم التنمية الاقتصادية والبنية التحتية
    من خلال تعزيز الزراعة، التجارة، الطاقة، ومشاريع رقمية ومواصلات إقليمية.
  4. الاستجابة الإنسانية والحماية الاجتماعية
    تقديم الدعم في مجالات الغذاء، الصحة، التعليم، والمأوى، خصوصًا في ظل التحديات الإنسانية المتكررة في البلاد.
  5. تبني نهج متكامل وشامل
    عبر التنسيق بين الأطر الأمنية، والتنموية، والسياسية، مثل التفويضات المشتركة والاستراتيجيات المتزامنة ([29]).

إستراتيجية الاتحاد الأوروبي في الصومال تجسّد رؤية شاملة ومتوازنة، تجمع بين بناء الدولة، والأمن، والتنمية، والحماية الاجتماعية، وتعتمد على أدوات متعددة تشمل مساعدات مالية، وبعثات مدنية وعسكرية، ودعم مؤسسات الحكم، ومشاريع تنموية تشارك فيها أوروبا ومؤسساتها مع الجهات الشريكة في الصومال، بما يهدف إلى تقديم دعم طويل الأمد ومستدام للبناء الوطني، وليس مجرد حلول آنية.

خلاصة التحليل

  يتضح من خلال تحليل البيئات الاستراتيجية الصومالية أن الموقع الجغرافي الفريد للصومال يمنحها فرصًا استثنائية، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام تحديات جسيمة داخلية وخارجية، فبينما يُشكل الانفتاح البحري على المحيط الهندي وباب المندب عنصر قوة يمكن استثمارها في التجارة الدولية والأمن البحري، فإن هشاشة البنية المؤسسية، والانقسامات السياسية، وتهديدات الإرهاب، وتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، تمثل جميعها عوامل تهدد الأمن القومي وتعرقل مسار الدولة نحو الاستقرار. ومن هنا، فإن بناء إستراتيجية وطنية متماسكة للصومال يتطلب توظيف عناصر القوة المتاحة والكامنة، ومعالجة مواطن الضعف، والانفتاح على الشراكات الإقليمية والدولية بطريقة متوازنة، بما يضمن تعزيز السيادة الوطنية وتحقيق الأمن والتنمية المستدامة في آن واحد.

رابعا: لعنة الجيوبوليتيك وتقاطع المصالح الإقليمية في الصومال.

يُشكّل الموقع الجيوالاستراتيجي للصومال نعمة من حيث الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية، ونقمة في الوقت ذاته من حيث الأهمية الجيوبوليتيكية، إذ جعله عرضةً لتجاذبات القوى الإقليمية والدولية وتقاطع مصالحها الاستراتيجية.

لقد تحول الموقع الحيوي للصومال إلى ساحة تقاطع مصالح بين قوى إقليمية مؤثرة مثل إثيوبيا وكينيا ومصر وتركيا، إضافةً إلى القوى الخليجية مثل قطر، والإمارات. وتقوم هذه القوى بتوظيف أدوات متعددة: سياسية واقتصادية وعسكرية، وهجينة أحياناً، لتعزيز نفوذها داخل الصومال، ما أدى إلى تعقيد المشهد الداخلي وانعكاساته السالبة على أمنه القومي واستقراره السياسي والاقتصادي وتماسكه الاجتماعي ووحدته الوطنية.

فاللعنة الجيوبوليتيكية هنا تتمثل في أن الموقع الذي يمنح الصومال قدرة استراتيجية هائلة، هو ذاته الذي يفتح الباب أمام تدخلات خارجية متكررة، تعمّق الانقسامات الداخلية وتعرقل مسارات بناء الدولة. وبذلك أصبح الصومال نموذجًا كلاسيكيًا لتأثير “الجغرافيا الملعونة” حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية على أرض هشّة سياسيًا وأمنيًا، ما يفرض تحديات كبيرة على الأمن القومي الصومالي ويضعف قدرته على صياغة قرار سيادي مستقل.

ويمكن تلخيص أهم مظاهر تقاطع المصالح الإقليمية في الصومال كالتالي:

على مستوى القرن الإفريقي، برزت إثيوبيا كقوة إقليمية مؤثرة تسعى لإضعاف الصومال من خلال استراتيجية شد الأطراف والتدخل في الولايات الفيدرالية وتقويض سلطة الحكومة المركزية، خشية أن تستعيد الدولة الصومالية عافيتها وقوتها العسكرية وتماسكها الوحدوي الداخلي، الذي تراه أديس أبابا تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. كما سعت إثيوبيا للحصول على منفذ بحري عبر إبرام مذكرة تفاهم مع إقليم صوماليلاند غير المعترف به دوليًا في الأول من يناير 2024م، ما يعكس بوضوح الطموحات التوسعية الإثيوبية وقراءتها الجيوبوليتيكية للموقع الاستراتيجي للصومال. في المقابل، تسعى كينيا إلى ترسيخ نفوذها في ولاية (جوبالاند) لضمان أمنها الحدودي  وحسم النزاع البحري لمصلحتها. تتسم سياسة كينيا تجاه الصومال بازدواجية المعايير، فتتنقل بين دعم ولاية جوبالاند على حساب الحكومة الفيدرالية، وبين التقارب الدبلوماسي مع مقديشو عبر توقيع اتفاقيات لتسهيل التأشيرات التجارية وتشجيع حركة التجارة بين البلدين. وعلى المستوى المحلي، تدعم كينيا شخصيات سياسية وأطرافًا في جوبالاند لتعزيز نفوذها الأمني والسياسي، وضمان حماية حدودها الجنوبية من حركة الشباب، بينما على المستوى الدبلوماسي والاقتصادي، تعمل كينيا على توقيع اتفاقيات تجارة تشمل استيراد المنتجات الكينية، بما في ذلك القات، إلى الأسواق الصومالية، لتوطيد علاقاتها الاقتصادية مع الحكومة المركزية وخلق مصالح متبادلة.

تعكس هذه الممارسة ازدواجية الأهداف الكينية، حيث توازن نيروبي بين الحفاظ على نفوذ أمني وسياسي في الجنوب وتعزيز مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية على مستوى الدولة الفيدرالية، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي في الصومال ويجعل من جوبالاند منطقة مفتوحة لتدخلات إقليمية متعددة. وتتقاطع مصالح كينيا في الصومال مع الحكومة المركزية عبر توازن دقيق بين النفوذ المحلي في جوبالاند والحفاظ على العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع مقديشو.  وهذه الاستراتيجية تخلق حالة من الشدّ والتوتر المستمر، لكون كينيا تتنافس على النفوذ الإقليمي بينما تضطر الحكومة الفيدرالية لقبول التعاون الاقتصادي والدبلوماسي.

أما على المستوى الخليجي، فقد تحوّل الصومال إلى منطقة رمادية تتقاطع المصالح بين محورين رئيسيين: الإمارات والسعودية من جهة، وقطر وتركيا من جهة أخرى. تسعى الإمارات، عبر شركة موانئ دبي العالمية إلى السيطرة على الموانئ الاستراتيجية للصومال في بربرة وبوصاصو، ما يتيح لها تعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة وتقويض سلطة الحكومة الفيدرالية في مقديشو وزعزعة استقرارها الداخلي. في المقابل، تركز تركيا وقطر على دعم الحكومة الفيدرالية سياسيًا وعسكريًا، وتعزيز وجودهما الاقتصادي من خلال استثمارات في البنية التحتية والموانئ، بما يرسّخ نفوذهما المباشر ويوازن النفوذ الإماراتي.

تقاطع المصالح الإماراتية مقابل القطرية–التركية في الصومال والبحر الأحمر.

يشكّل الصومال والبحر الأحمر منطقة حيوية من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية، ما جعلهما ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية بين الإمارات من جهة، وقطر وتركيا من جهة أخرى.

1- المصالح الإماراتية:

  • السيطرة على الموانئ الاستراتيجية: من خلال استثماراتها في موانئ بربرة وبوصاصو.
  • توسيع الحضور العسكري والاقتصادي: إقامة قواعد وخطوط لوجستية لدعم التجارة والمصالح   البحرية، بما يتيح لها السيطرة على الممرات البحرية الحيوية للبحر الأحمر وخليج عدن.
  • التأثير على الحكومة الفيدرالية: عبر دعم أطراف محلية وتقوية نفوذها في الولايات الفيدرالية، بما يقلص قدرة الحكومة الفيدرالية على فرض سيادتها بشكل كامل.

2 المصالح القطرية–التركية.

  • دعم الحكومة الفيدرالية: تعزيز وجود الحكومة الفيدرالية سياسيًا واقتصاديًا، بما يوازن النفوذ الإماراتي ويضمن الاستقرار النسبي للصومال.
  • الاستثمار في البنية التحتية والموانئ: قطر وتركيا تعملان على تطوير موانئ ومشاريع اقتصادية لدعم الدولة المركزية، مثل ميناء مقديشو ومناطق التجارة الحرة، ما يعزز النفوذ المباشر في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
  • الوجود العسكري الاستراتيجي: تركيا، على وجه الخصوص، تحافظ على قواعد لوجستية وعسكرية في الصومال لدعم الأمن الإقليمي وحماية خطوط الملاحة البحرية.

3- نقطة التقاطع والصراع.

  • الإمارات تسعى للنفوذ المباشر والسيطرة على الموانئ والممرات البحرية، بينما تعمل قطر وتركيا على تعزيز الدولة المركزية وضمان استقرار الحكومة الفيدرالية.
  • هذا التباين في الاستراتيجية يجعل الصومال والممرات البحرية المؤدية إلى البحر الأحمر ساحة صراع غير مباشر بين القوى الإقليمية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية لكل طرف في آن واحد.
    • الصراع الإثيوبي المصري في الصومال:
  • يبرز البعد المصري–الإثيوبي بوضوح في الملف الصومالي، حيث تسعى مصر إلى توظيف حضورها في القرن الإفريقي والبحر الأحمر لتعزيز نفوذها الإقليمي ومواجهة توسع التأثير الإثيوبي، خاصة في إطار أزمة سد النهضة. وتعتمد القاهرة على أدوات دبلوماسية وسياسية تشمل التعاون مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، والدعم الاقتصادي، والمبادرات الأمنية المشتركة، بهدف ضمان مصالحها المائية والتجارية، وموازنة نفوذ أديس أبابا في المنطقة، بما يعكس استراتيجية مصرية جيوسياسية قائمة على توظيف الصومال كحافة مواجهة للتصدي للتحديات الإثيوبية.
  • بينما تسعى إثيوبيا لضمان نفوذها الإقليمي وتأمين عمقها الاستراتيجي عبر دعم بعض الولايات الفيدرالية والحصول على منفذ بحري، يخلق هذا التقاطع صراعًا غير مباشر على مصالحها الاستراتيجية في القرن الإفريقي والبحر الاحمر، ويجعل الصومال منطقة رمادية وبيئة رخوة لتنافس القوى الإقليمية على النفوذ والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية.

خامسا: تحليل الآثار المباشرة وغير المباشرة على الأمن القومي الصومالي.

من خلال تحليل طبيعة الصراع الجيوبوليتيكي يتجلى بوضوح أن تقاطع المصالح الإقليمية في الصومال لا يقتصر تأثيره على البُعد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي فحسب، بل يتخطى بشكل مباشر وغير مباشر إلى عمق عناصر القوة الشاملة للدولة. فالصراع الجيوبوليتيكي بين القوى الإقليمية المؤثرة والفاعلة تنعكس سلباً على استقرار الصومال عبر اتخاذ سياسة شد الأطراف ودعم أطراف محلية على حساب سلطة المركز، وإضعاف مؤسسات الدولة الفيدرالية.

 وفي الوقت ذاته، تتجلى الآثار غير المباشرة من خلال إفشال جهود التنمية، وتقويض مسارات بناء الدولة وتهميش البنية المجتمعية أمام التهديدات الإرهابية والتدخلات الاقليمية. ومن هنا، يصبح من الضروري تحليل هذه الآثار بتفكيك أبعادها المتعددة وفهم انعكاساتها على الأمن القومي الصومالي ومبادرات بناء الدولة الوطنية.

1- الآثار المباشرة:

  1. ضعف السلطة المركزية.

أدي تدخل القوى الإقليمية مثل كينيا وإثيوبيا، ودول الخليج، خصوصًا في الولايات الفيدرالية مثل جوبالاند وبونتلاند إلى تقويض الحكومة الفيدرالية في مقديشو.

هذا الضعف يسهل استغلال الفصائل المسلحة ويشجع المطالبات الانفصالية ويحد من قدرة الدولة على فرض سيادتها على كامل التراب الوطني.

  • تزايد النزاعات المحلية.

سياسة شد الأطراف عبر إذكاء الأطراف المحلية يزيد من الاستقطاب القبلي والسياسي، ويؤدي إلى تفاقم الصراعات الداخلية بين الولايات والحكومة المركزية. مثال ذلك النفوذ الكيني–الإثيوبي في جوبالاند وتأثيره في الاستقرار المحلي.

  • الصراع على الموانئ

السعي الإماراتي إلى موطئ قدم في الموانئ الاستراتيجية مثل ميناء بربرة وبوصاصو والمشاريع التركية والقطرية في موانئ أخرى مثل ميناء مقديشوا، بجانب الأطماع الإثيوبية لإيجاد منفذ بحري، تجعل الموانئ الصومالية نقاط توتر وصراع، فتصبح ساحة رخوة ومنطقة رمادية للقوى الإقليمية على النفوذ السياسي والعسكري.

  • التهديد الإرهابي.

إن تقويض مؤسسات الحكومة المركزية نتيجة لتناقض النفوذ الإقليمي في الصومال يفتح ثغرات أمنية تستغلها حركة الشباب لتوسيع نطاق انتشارها وتجذير نفوذها.

2- الآثار غير المباشرة:

  1. تناقص السيادة الوطنية:

إن التدخل المستمر للقوى الإقليمية في الشأن الصومالي يُضعف إلى حد كبير من قدرة الدولة على ممارسة سيادتها الكاملة واتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة، سواء فيما يتعلق بتحديد مسار السياسة الخارجية أو بصياغة استراتيجية وطنية شاملة للأمن القومي. وقد برزت تداعيات هذا التدخل بوضوح في السنوات الأخيرة، من خلال إرباك السياسة الخارجية الصومالية وإقحامها في عقد اتفاقيات وتحالفات استراتيجية متناقضة، فضلاً عن الدخول في شراكات عسكرية مع أطراف إقليمية تتصادم مصالحها داخل الصومال.

  • تهميش مؤسسات الدولة.

يُشكّل تهميش مؤسسات الدولة أحد أخطر التحديات أمام بناء نظام سياسي وأمني مستقر، إذ يؤدي إلى إضعاف قدرة الدولة على ممارسة وظائفها الأساسية في بسط القانون، وتقديم الخدمات، وإدارة الموارد العامة.

  • إضعاف القدرة الاقتصادية.

تقاطع المصالح الإقليمية في الصومال يُحوِّل التنمية الاقتصادية من أداة للنهوض والاستقرار إلى ساحة للتنافس الجيو-اقتصادي، حيث تُدار المشاريع وفق أجندات خارجية، ما يؤدي إلى تعميق التبعية الاقتصادية وتعطيل التكامل الإقليمي وتهميش التنمية المتوازنة.

سادسا: السيناريوهات المستقبلية.

في ضوء التحليل الجيوبوليتيكي للموقع الجيوالاستراتيجي للصومال وتداعيات تقاطع المصالح الإقليمية على المستقبل الأمني والسياسي للبلاد يتمحور بين عدة سيناريوهات. وتهدف السيناريوهات المستقبلية إلى استشراف الأوضاع المحتملة، وتقدير مدى تأثير العوامل الداخلية والخارجية على الأمن القومي، وتمكين صناع القرار من صياغة استراتيجية وطنية مرنة وشاملة تتماشي مع مختلف الظروف. وتعكس هذه السيناريوهات التحديات والفرص المحتملة، من تعزيز الاستقرار والسيادة الوطنية إلى أخطار تزايد التدخل الخارجي وتقويض مؤسسات الدولة.

  1. السيناريو المتفائل (إدارة التوازنات الإقليمية)

 بناء توافق وطني داخلي وصياغة استراتيجية أمن قومي شاملة، واتباع سياسة خارجية متوازنة ومرنة تتكيف مع الظروف والأوضاع الإقليمية والدولية المتقلبة وتحديد مسار استراتيجي يحافظ على شراكات متنوعة دون الانحياز المفرط للمحاور الإقليمية المتصارعة. في هذا السيناريو، تنخفض حدة التدخلات الإقليمية، ويتم استثمار الموقع الاستراتيجي في مشاريع تنموية واقتصادية بحرية يرسّخ الاستقرار ويتطلع الي نهضة وريادة إقليمية.

  • السيناريو الواقعي (الاستمرار في فخ تقاطع المصالح الإقليمية):

  يبقى الصومال بيئة رخوة وفضاءً رمادياً تتقاطع فيه أجندات ومصالح القوى الإقليمية (إثيوبيا، كينيا، مصر، تركيا، الإمارات، قطر)، وهو ما يعكس هشاشة موقعه الجيوسياسي في معادلة التوازنات الإقليمية. وتتفاقم هذه المعطيات الخارجية نتيجة الهشاشة البنيوية الداخلية، وضعف مؤسسات الدولة، إلى جانب التهور في اتخاذ القرارات الاستراتيجية وارتباك منظومة صناعة القرار السياسي. هذا الوضع يفضي في مجمله إلى إضعاف السيادة الوطنية وتقويض الوحدة الداخلية، الأمر الذي يحوّل الصومال إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، ويضعف قدرته على بناء نظام سياسي مستقر وأمن قومي صلب.

  • السيناريو المتشائم (تفكك الوحدة وارتفاع مطالب الانفصال):

مع تصاعد التدخلات الإقليمية وتشابك المصالح الدولية، إلى جانب استمرار الانقسامات بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات، وما يرافق ذلك من ضعف مؤسسي وبنية سياسية هشة، تتزايد مؤشرات التفكك الداخلي في الصومال. فقد ارتفعت في الآونة الأخيرة مطالب بعض النخب السياسية والأكاديمية في ولاية بونتلاند بالانفصال أو التحول إلى نظام كونفدرالي، في خطاب سياسي يعكس تعامل الولاية مع نفسها ككيان شبه مستقل ذي سيادة. ويزداد المشهد تعقيدًا مع المخاوف من احتمالية اعتراف دولي بكيانات انفصالية، كما أثيرت التكهنات حول إمكانية اعتراف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكيان “أرض الصومال” مقابل منح الولايات المتحدة قاعدة عسكرية في مدينة بربرة الساحلية المطلة على البحر الأحمر.

سابعا: التوصيات والسياسات المقترحة

مع استمرار هشاشة المؤسسات، يظهر تخبط وتهور القرار السياسي الاستراتيجي كأحد أبرز التحديات التي تواجه الصومال، حيث يؤدي إلى بطء الاستجابة للأزمات، وزيادة الانقسامات الداخلية، وتضليل الأولويات الوطنية ومواجهة التهديديات الخارجية. هذا التخبط يعمّق ضعف الدولة أمام تقاطع المصالح الإقليمية، ويزيد من أخطار التفكك والانفصال، فإن السياسات والتوصيات المقترحة تركز على تعزيز الوحدة الوطنية وصيانة الأمن القومي من خلال الاستفادة المثلى من نعمة الموقع الاستراتيجي للدولة واحتواء العمق الاستراتيجي. ويمكن تلخيصها فيما يلي:

  1. صياغة استراتيجية وطنية متكاملة تُعبّر عن الرؤية والغايات الوطنية.
  2. وضع رؤية واضحة للدولة تنبثق من دستور متفق عليه يعتمد على النظام الفيدرالي الذي يحدد بشكل دقيق صلاحيات الحكومة المركزية وحكومات الولايات. وتتيح هذه الرؤية تحديد أولويات الأمن القومي والتنمية المستدامة.
  3. إرساء قاعدة قانونية تنظم العلاقة بين المركز والولايات وتجنب النزاعات حول صلاحيات السلطة وتقاسم الثروة.
  4. ضمان مشاركة جميع الأطراف السياسية والمكونات المجتمعية في صياغة وتنفيذ الاستراتيجية.
  5. تعزيز الوحدة الوطنية وتقوية المؤسسات، عبر دعم الحوارات الوطنية لتعزيز الهوية المشتركة وتقليل النزاعات القبلية والسياسية.
  6. بناء تحالف داخلي واسع من خلال إشراك العشائر، الأحزاب، والمجتمع المدني في صياغة القرارات المصيرية لتعزيز الشرعية الوطنية والحد من الانقسامات التي تستغلها القوى الخارجية.
  7. غرس ثقافة ركوب البحر والاستفادة من الثروات البحرية للصومال.
  8. في ضوء الموقع الاستراتيجي للصومال على سواحل مطلة على المحيط الهندي وخليج عدن، يصبح من الضروري غرس ثقافة البحر لدى الشعب الصومالي وإعادة إحياء الوعي التاريخي للصوماليين على أنهم أمة بحرية عريقة ارتبطت بالبحر عبر التجارة والملاحة منذ قرون وتعزيز الوعي بأهمية الموارد البحرية كركيزة للتنمية الوطنية والأمن القومي. وتشمل السياسات المقترحة ما يلي:
  9. التثقيف وبناء الوعي البحري.
  10. إدماج الثقافة البحرية في المناهج التعليمية لتعريف الأجيال الصومالية بأهمية البحر مصدراً للأمن والرزق والتنمية.
  11. تنظيم حملات توعية مجتمعية لتعزيز الفهم بأهمية حماية السواحل والمصائد البحرية.
  12.     الاستفادة من الثروات البحرية.
  13. تطوير قطاع الصيد البحري بطريقة مستدامة لضمان الأمن الغذائي وفرص العمل.
  14. تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية لاستغلال الثروات البحرية مثل النفط والغاز والمعادن البحرية.
  15. إنشاء بنية تحتية بحرية متقدمة تشمل موانئ، ومراكز لوجستية، ومنشآت لتصنيع المنتجات البحرية.
  16. إنشاء منتجعات سياحية على طول السواحل مع مرافق حديثة لجذب الاستثمارات الأجنبية والسياحة الدولية.
  17. تحسين البنية التحتية للطرق والموانئ والاتصالات لدعم حركة السياح والمستثمرين.
  18. تصميم برامج تسويقية دولية تبرز جمال السواحل والثروات الطبيعية والثقافة البحرية للصومال.
  19. تطوير قوات بحرية قادرة على حماية المياه الإقليمية ومنع القرصنة والتهريب.
  20. احتواء العمق الاستراتيجي للصومال من خلال تعزيز السيطرة على الموانئ والمناطق الحيوية لضمان الأمن البحري والاقتصادي وتطوير منظومة دفاعية متكاملة تحمي العمق الاستراتيجي من التدخلات الإقليمية.

3- إدارة العلاقات الإقليمية بدهاء استراتيجي.

  • تطوير آليات للتعاون الإقليمي مع مراعاة المصالح الاستراتيجية العليا التي تعبر عن الغايات الوطنية.
  • الموازنة بين النفوذ الإقليمي وضبط العلاقات مع القوى الدولية، بما يضمن تقليل الاعتماد المفرط على أي طرف خارجي، وتعزيز القدرة الوطنية على اتخاذ القرار السيادي المستقل.
  • تنويع الشراكات الخارجية وإدارتها بعقلانية استراتيجية، بعيدًا عن التهور والارتجال والتخبط السياسي، بما يضمن تعزيز المصالح الوطنية، وتوسيع هامش المناورة الدبلوماسية، وتقليل الاعتماد على محور واحد.
  • متابعة ومراقبة تحركات القوى الإقليمية لتجنب الاستغلال السياسي للنزاعات الداخلية.

4- تعزيز دور الدبلوماسية الشعبية عبر الجاليات الصومالية: من خلال.

  1. إبراز القضية الصومالية في المحافل الدولية.
  2. تنظيم حملات إعلامية ومؤتمرات دولية يشارك فيها المغتربون للتعريف بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للصومال.
  3. الاستفادة من شبكة الجاليات في دعم القرارات الدولية المؤيدة لوحدة وسيادة الدولة الصومالية.
  4. تعزيز الروابط بين الدولة والجاليات
  5. إنشاء مؤسسات ووكالات متخصصة للتواصل مع الصوماليين في الخارج وتنسيق مشاركتهم في القضايا الوطنية.
  6. تشجيع المغتربين على الإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر الاستثمارات والمشاريع التنموية.
  7. بناء صورة دولية إيجابية للصومال
  8. توظيف المغتربين كسفراء غير رسميين لتعزيز العلاقات الثقافية والاقتصادية والدبلوماسية مع الدول المستضيفة.
  9. تطوير برامج تدريبية وإعلامية للجاليات لرفع كفاءتها في نقل الصورة الحقيقية للصومال والإسهام في تعزيز نفوذ الدولة على المستوى الدولي.

الخاتمة

تُظهر الدراسة أن الصومال يعيش في مازق استراتيجي نتيجة التداخل بين موقعه الجغرافي المتميز وهشاشة مؤسساته الداخلية، ما يجعله عرضة للتدخلات الإقليمية والدولية ويحد من قدرته على صياغة سياسة أمن قومي مستقلة وفعّالة. ولتجاوز هذه التحديات، يجب على الدولة الصومالية تبني استراتيجية وطنية شاملة، ترتكز على تعزيز الاستقرار الداخلي، وبناء مؤسسات قوية، وتطوير الموانئ والبنية التحتية، وتوظيف موقعها الاستراتيجي بما يضمن تحقيق مصالحها الوطنية.

كما أن فهم طبيعة القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، والوعي بالمعادلات الجيوبوليتيكية، يشكلان أساسًا لتقليل المخاطر وتعظيم فرص الاستفادة من الموقع الجيو-استراتيجي. وفي النهاية، يمكن للصومال أن يحوّل “لعنة الجيوبوليتيك” إلى مصدر قوة ورافعة للتنمية والاستقرار الإقليمي والدولي، إذا تم استثمار هذه النعمة ضمن رؤية وطنية متماسكة ومدروسة.

قائمة المصادر والمراجع

اولاً: الكتب:

  1. أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي، موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، الطبعة الأولي.
  2. طه عبد العظيم رضوان، في جغرافية العالم الإسلامي ج/2، القاهرة 1989، مط4.
  3. محمد حسين أبوصالح، التخطيط الاستراتيجي القومي، منهج المستقبل، دار الحنان للنشر والتوزيع، ط1، 2016م،

ثانياً: الرسائل العلمية:

  1. عبد الله حسين محمد، النزاع الحدودي البحري بين الصومال وكينيا وأثره على الأمن القومي الصومالي، رسالة ماجستير غير منشورة، الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية، 2021م.

ثالثا: الدوريات:

  1. د. محمد طه. الجيوبوليتيك. منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الآن، المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، العدد التاسع عشر، تاريخ النشر: يناير 2019. 
  2. اللواء، د. طه محمد السيد، الأمن القومي والاستراتيجية، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا، العدد السادس، يوليو2025م.

 رابعاً: المقالات:

  1. ميناء هوبيو وأهميته الاستراتيجية في ظل التنافس على موانئ الصومال، مقال منشور بمركز مقديشو للبحوث والدراسات، مارس 2018م.
  2. التوتر الصومالي الإماراتي.. دواعي السيادة وتداعيات أزمة الخليج، مقال منشور بشبكة الجزيرة نت بتاريخ 30/4/2018م.
  3. أسلحة إماراتية معروضة للبيع بمقديشو، مقال منشور بشبكة الجزيرة نت بتاريخ 26/4/2018م
  4. مقال لوزير الدفاع الصومالي عبد القادر محمد نور يوكالة الأناضول التركية، الدور الاستراتيجي لاتفاقية التعاون بين تركيا والصومال في تحقيق أمن ورفاه القرن الإفريقي 27.02.2024.
  5. عبد القادر محمد علي، هل يتحول الصومال إلى ساحة حرب بالوكالة بين إثيوبيا ومصر؟ مقال منشور بالجزيرة نت بتاريخ 3/9/ 2024م.
  6. شافعي ابتدون، الدور المصري المحتمل في الصومال، الأدوار والمحددات، مقال منشور بالجزير نت، بتاريخ 13/8/2025م.
  7. دوافع مركبة.. ملامح تزايد التقارب بين الصين والصومال (دراسة)، مقال منشور بمركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، بتاريخ 6 يوليو 2025م
  8. الصومال والصين.. من الشراكة التاريخية إلى آفاق استثمارية جديدة، مقال منشور بموقع مقديشوا برس.
  9. مساعٍ صينية لتعزيز التعاون العسكري مع الصومال   مقال منشور بموقع الشرق الأوسط بتاريخ 12 يونبوا 2025م. 
  10. حسن محمد حاج، عودة الدُّبّ الروسي إلى القرن الإفريقي… كيف تعيد روسيا بناء نفوذها في الصومال؟  مقال منشور بموقع قراءات افريقية بتاريخ، يناير 9, 2025

خامساً: المراجع الأجنبية:

  1. 5 Major Ports of Somalia, https://www.marineinsight.com/know-more/5-major-ports-of-somalia.
  2. Washington Post. (Abandoning Somalia again will empower terrorists) June 1, 2025 https://www.washingtonpost.com/opinions/2025/06/01/somalia-mogadishu-al-shabab-africa-africom/?utm_source=chatgpt.com  
  3. CSIS) Blowing the Horn: How the United States Can Reclaim the Strategic Initiative in the Bab al Mandeb. https://www.csis.org/analysis/blowing-horn-how-united-states-can-reclaim-strategic-initiative-bab-al-mandeb?utm_source=chatgpt.com
  4. Somalia offers US exclusive control of air bases, ports. By Reuters March 28, 2025 , https://www.reuters.com/world/africa/somalia-offers-us-exclusive-control-air-bases-ports-2025-03-28/?utm_source=chatgpt.com.
  5. US-China Rivalry in the Horn: Is Somaliland the Next Taiwan? https://hornreview.org/2025/03/27/us-china-rivalry-in-the-horn-is-somaliland-the-next-taiwan/?utm_source=chatgpt.com.
  6. Somalia Deepens Ties with Russia: Strategic Motives and Global Implications June 14, 2025
  7. https://lansinginstitute.org/2025/06/14/somalia-deepens-ties-with-russia-strategic-motives-and-global-implications/?utm_source=chatgpt.co
  8. Why are Russia and Somalia forging a strategic alliance?
  9. https://www.caasimada.net/why-russia-and-somalia-are-forging-a-strategic-alliance/?utm_source=chatgpt.com
  10. The European Union and the Federal Republic of Somaliahttps://www.eeas.europa.eu/somalia/european-union-and-federal-republic-somalia_en?utm_source=chatgpt.com

معهد القرن للسلام والتنمية

         سفاري أبارتمينتز، كيلومتر 5، مقديشو، الصومال

    الهاتف: 00252614717775 / 00252858182

    البريد الإلكتروني: info@hipadinstitute.org


[1]د. محمد طه. الجيوبوليتيك. منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الآن، المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، العدد التاسع عشر تاريخ النشر يناير 2019.

[2])، لواء أمن. د. بابكر داوود هارون. محاضرة علم الجيوبوليتيك. الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية. السودان 2021م.

([3])، اللواء، د. طه محمد السيد، الأمن القومي والاستراتيجية، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا، العدد السادس، يويو2025م.

([4])، احمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي، موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، الطبعة اللأولي، 2010م ص20.

([5] )، عبد الله حسين محمد، النزاع الحدودي البحري بين الصومال وكينيا وأثره على الأمن القومي الصومالي، رسالة ماجستير غير منشورة، الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية، 2021م، ص 89.

[6]طه عبد العظيم رضوان، في جغرافية العالم الإسلامي ج/2، القاهرة 1989، مط4، ص359.

([7])، محمد حسين ابوصالح، التخطيط الاستراتيجي القومي، منهج المستقبل، دار الحنان للنشر والتوزيع، ط1، 2016م، ص87

([8]  (5 Major Ports of Somalia, https://www.marineinsight.com/know-more/5-major-ports-of-somalia/

 ميناء هوبيو وأهميته الاستراتيجية في ظل التنافس على موانئ الصومال، مقال منشور بمركز مقديشو للبحوث والدراسات، مارس 2018م. ([9] )

[10] (،عبد الله حسين محمد، النزاع الحدودي البحري بين الصومال وكينيا وأثره على الأمن القومي الصومالي، رسالة ماجستير غير منشورة، الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية، 2021م، ص 125.

([11])، التوتر الصومالي الإماراتي.. دواعي السيادة وتداعيات أزمة الخليج،مقال منشور بشبكة الجزيرة نت بتاريخ 30/4/2018م.

([12] ) أسلحة إماراتية معروضة للبيع بمقديشو، مقال منشور بشبكة الجزيرة نت بتاريخ 26/4/2018م.

([13])، مقال لوزير الدفاع الصومالي عبد القادر محمد نور لوكالة الاناضول التركية. الدور الاستراتيجي لاتفاقية التعاون بين تركيا والصومال في تحقيق أمن ورفاه القرن الإفريقي 27.02.2024

([14]) عبد القادر محمد علي، هل يتحول الصومال إلى ساحة حرب بالوكالة بين إثيوبيا ومصر؟ مقال منشور بالجزيرة نت بتاريخ 3/9/ 2024م.

([15] )، شافعي ابتدون، الدور المصري المحتمل في الصومال، الأدوار والمحددات، مقال منشور بالجزير نت، بتاريخ 13/8/2025م.

([16])، Washington Post. (Abandoning Somalia again will empower terrorists) June 1, 2025 https://www.washingtonpost.com/opinions/2025/06/01/somalia-mogadishu-al-shabab-africa-africom/?utm_source=chatgpt.com  

([17] ),(CSIS) Blowing the Horn: How the United States Can Reclaim the Strategic Initiative in the Bab al Mandeb. https://www.csis.org/analysis/blowing-horn-how-united-states-can-reclaim-strategic-initiative-bab-al-mandeb?utm_source=chatgpt.com

([18] ), Somalia offers US exclusive control of air bases, ports. By Reuters March 28, 2025 , https://www.reuters.com/world/africa/somalia-offers-us-exclusive-control-air-bases-ports-2025-03-28/?utm_source=chatgpt.com.

([19] ), US-China Rivalry in the Horn: Is Somaliland the Next Taiwan? https://hornreview.org/2025/03/27/us-china-rivalry-in-the-horn-is-somaliland-the-next-taiwan/?utm_source=chatgpt.com    

([20])، دوافع مركبة.. ملامح تزايد التقارب بين الصين والصومال (دراسة)، مقال منشور بمركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، بتاريخ 6 يوليو 2025م.

([21])، الصومال والصين.. من الشراكة التاريخية إلى آفاق استثمارية جديدة، مقال منشور بموقع مقديشوا برس الرابط، https://mogadishupress.so/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85%d8%a7%d9%84

([22] )، مساعٍ صينية لتعزيز التعاون العسكري مع الصومال ،  مقال منشور بموقع الشرق الأوسط بتاريخ 12 يونبوا 2025م. 

([23] )، 600 عام من العلاقات الصومالية الصينية ومرحلة استراتيجية جديدة، مقال منشور بموقع نبض الصومال بتاريخ، يوليو 8, 2025م.

https://nabdalsomali.com/600-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D9%85%D9%86-D9%88%D9%85/?utm_source=chatgpt.com

([24] )، مساعٍ صينية لتعزيز التعاون العسكري مع الصومال،   مقال منشور بموقع الشرق الأوسط بتاريخ 12 يونبوا 2025م. 

([25] )، حسن محمد حاج، عودة الدُّبّ الروسي إلى القرن الإفريقي… كيف تعيد روسيا بناء نفوذها في الصومال؟  مقال منشور بموقع قراءات افريقية بتاريخ، يناير 9, 2025

([26])https://odessa-journal.com/rli-russia-is-strengthening-ties-with-somalia-in-the-struggle-for-influence-in-the-red-sea?utm_source=chatgpt.com

([27]Somalia Deepens Ties with Russia: Strategic Motives and Global Implications June 14, 2025

[28] (Why are Russia and Somalia forging a strategic alliance?

https://www.caasimada.net/why-russia-and-somalia-are-forging-a-strategic-alliance/?utm_source=chatgpt.com

[29] )

The European Union and the Federal Republic of Somaliahttps://www.eeas.europa.eu/somalia/european-union-and-federal-republic-somalia_en?utm_source=chatgpt.com

عبدالله حسين يحيى (اسناي)

باحث في الدراسات الاستراتيجية والأمنية